كما فعل الإنتداب الفرنسي.. موسكو تؤسّس "جيش الشرق" بسوريا وهذه مهامه

يواصل الجيش الروسي الضغط على حلفائه في دمشق لاستعجال تشكيل "الفيلق الخامس - اقتحام" ليكون عموداً عسكرياً في النفوذ الروسي في سوريا يشبه إلى حد كبير "جيش الشرق" الذي أسسته فرنسا خلال الانتداب على سوريا بداية القرن الماضي مع احتمال أن التشكيل الجديد يرمي إلى مواجهة النفوذ المتصاعد لـ"قوات الدفاع الوطني" ومجموعات مدعومة من إيران وتثبيت السلم بعد قمع ما تبقى من جيوب للمعارضة.

وفي نهاية 2012 ومع تراجع عدد القوات النظامية جراء الانشقاقات والتهرب من الالتحاق بالخدمة الإلزامية إلى حوالى مئة ألف، نجحت طهران في إقناع دمشق بتنظيم "اللجان الشعبية" في "قوات الدفاع الوطني" بإشراف وتدريب وتمويل الـ"باسيج" وباتت منتشرة في معظم مناطق النظام وجبهات القتال ليصل عددها إلى حوالى 70 ألفاً من السوريين وغير السوريين بينهم أفغان وباكستانيون وعراقيون بإشراف مباشر من ضباط "الحرس الثوري الإيراني"، ما ساهم في وقف تقدم فصائل معارضة في مناطق عدة.

وبعد التدخل العسكري الروسي المباشر في نهاية أيلول 2015 أعلن رئيس الأركان في الجيش السوري العماد علي أيوب في تشرين الأول من القاعدة العسكرية الروسية في حميميم نية تشكيل "الفيلق الرابع - اقتحام" بهدف "تحرير جميع البلدات والقرى". لكن لم تنجح محاولات موسكو دمج حوالى 18 فصيلاً مدعوماً من طهران ضمن "الفيلق الرابع - اقتحام" وبقي التنسيق العسكري بالحد الأدنى بأولويات مختلفة.

في تشرين الثاني، وبالتوازي مع تغلغل ضباط الجيش الروسي في المؤسسات الحكومية المدنية والعسكرية في دمشق ومدن "سوريا المفيدة"، وزّع بيان تضمن تشكيل "الفيلق الخامس" بـ"تمويل وتدريب من روسيا" ويضم حوالى 45 ألف عنصر موزعين في وحدات مشاة وهندسة وآليات واقتحام "بعد تدريب على حرب العصابات في مناطق محمية روسياً"، بحسب مسؤول مطلع على تفاصيل المشروع.

وإذ أعلنت القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة "تشكيل فيلق جديد من المقاتلين المتطوعين، باسم "الفيلق الخامس - اقتحام"، بهدف القضاء على الإرهاب"، دعت "جميع المواطنين الراغبين في الانضمام للفيلق إلى مراجعة مراكز الاستقبال في المحافظات، وتقع في قيادة المنطقة الجنوبية، وقيادة موقع دمشق، وقيادة الفرقة العاشرة في قطنا، وقيادة المنطقة الوسطى في حمص، وقيادة موقع حماة، وكلية الشؤون الإدارية في مصياف، وقيادة المنطقة الشمالية في حلب، وقيادة موقع طرطوس، وقيادة المنطقة الساحلية في اللاذقية، وقيادة الفرقة الخامسة في درعا، وقيادة الفرقة 15 في السويداء"، من دون أن يشمل ذلك مناطق سيطرة المعارضة السورية أو "داعش". وشملت الدعوة "غير المكلفين بخدمة العلم أو فارين منها ممن أتموا 18 سنة من عمرهم والراغبين ممن أدوا خدمة العلم من جميع الفئات ضباط وصف ضباط وأفراد إضافة إلى الراغبين من العاملين في الدولة بموجب عقد لمدة سنة قابل للتجديد شرط الحصول على موافقة الجهة التي يعملون لديها".

تعليمات

وبالتوازي مع صدور مراسيم رئاسية بالعفو عن "الفارين" من الجيش وغير الملتحقين بالخدمة العسكرية وتشديد إجراءات مغادرة الشباب وتسير دوريات في الشوارع لسحبهم من دون تدريب كامل إلى جبهات القتال، صدرت تعليمات إلى وزارة الأوقاف والمؤسسات الحكومية والجيش وشركات الهاتف النقال ووسائل الإعلام والإعلان للحض على الانضمام إلى القوة الجديدة. وفي مذكرة خطية، دعت وزارة الأوقاف أئمة المساجد إلى "التحدث على المنابر وحض المواطنين على الالتحاق بالفيلق الخامس وعرض ميزات ذلك" بينها "تسوية وضع المتخلفين عن الخدمة الاحتياطية وتسوية أوضاع الفارين وموظفي الدولة المتخلفين عن أعمالهم بحيث يتقاضي الشخص مئة ألف ليرة شهرياً" (الدولار الأميركي يساوي 500 ليرة). وبين المذكرات، وثيقة من "عميد المعهد العالي للفنون الجميلة" جيانا عيد دعت فيها العاملين إلى "تسجيل أسمائهم لدى مدير الشؤون الإدارية والقانونية".

وحض محافظ اللاذقية مؤسسات الحكومة في اللاذقية على إلزام الموظفين وخصوصاً النازحين (سبعة ملايين نازح داخل البلاد) بـ "الالتحاق في معسكر طلائع البعث في الرمل الجنوبي" ما شمل الأشخاص بين 18 و50 سنة. وأضاف في تعميم: "في حال عدم الالتحاق ينهى تكليف الموظفين". وطلبت مديرية التربية "تشجيع" الأساتذة ممن هم تحت سن 42 سنة على الانضمام إلى "الفيلق الخامس" و "ضرورة اقتياد المدرسين النازحين عنوة إلى الفيلق خلال مدة 48 ساعة"، علماً أن تقديرات تشير إلى وجود 1.5 مليون نازح في طرطوس واللاذقية جاؤوا من حلب وإدلب وحمص. وترددت أنباء عن اختبار خطة لإعادة لاجئين من دول الجوار إلى سوريا (حوالى خمسة ملايين) شرط موافقتهم على القتال ضمن هذا "الفيلق". كما اجتمع المدراء العامون في دمشق مع موظفيهم لشرح مميزات الانضمام إلى هذه القوة بينها "الحفاظ على نصف الراتب الشهري وكسب راتب شهري يصل إلى 300 دولار".

وتسلّم السوريون رسائل نصية على هواتفهم المحمولة بينها "كن واحداً من صانعي الانتصار" و"انضم للفيلق الخامس اقتحام" و "ندعوكم للانتساب إلى الفيلق الخامس اقتحام والمشاركة في صناعة الانتصار"، فيما تبلّغ رجال أعمال جدد بضرورة تمويل هذه القوة شرطاً لحصولهم على امتيازات مالية جديدة. وإضافة إلى بعض أنباء العشائر شرق البلاد، تراهن موسكو المنخرطة عبر ضباط قاعدة حميميم في "مصالحات" على دمج مقاتلين معارضين جرت "تسوية أوضاعهم" في القوة الجديدة بحيث "يقاتلون رفاق السلاح السابقين خصوصاً عناصر جبهة النصرة وداعش".

ولوحظ أن بين عناصر مسودة الاتفاق الذي عرض لتسوية أوضاع ثلاث بلدات جنوب دمشق، تشكيل قوة لقتال "النصرة" و "داعش"، الأمر الذي حصل سلفاً في مناطق أخرى بينها التل شمال شرقي العاصمة. وباعتبار أن آلافاً ممن لم يوقعوا "التسويات" نقلوا مع أسرهم إلى محافظة إدلب، قد تشهد المرحلة المقبلة مواجهات مباشرة "بين رفاق السلاح السابقين"... معارك بين عناصر "الفيلق الخامس" ورافضي "التسويات"، خصوصاً في جبهات إدلب التي تريد دمشق استعادتها بـ "أي كلفة".

"جيش الشرق"

ربط خبراء التغييرات الأخيرة في الجيش السوري بالتشكيل الجديد وقيادته المرتقبة واستعجال موسكو توسيع قاعدة طرطوس وتحويلها إلى قاعدة مشابهة لحميميم. وذكر خبراء في مؤسسات ونشرات غربية مختصة بينها مركز "ستراتفور" الاستخباراتي أن أحد أسباب تشكيل "الفيلق الخامس" موا"زنة نفوذ إيران، خصوصاً أن موسكو التي توصلت إلى تفاهمات مع أنقرة إزاء وقف النار في بعض مناطق سورية، ستقدم معظم الدعم بما في ذلك الأسلحة والتدريب وراتباً شهرياً يصل إلى 580 دولاراً لعناصر "فيلقها". لكن مؤرخين سوريين يشبهون هذه القوة بـ "جيش الشرق" الذي شكلته فرنسا بعد انتدابها على سوريا في 1920. وقال أحدهم: "بعد فكرة تقسيم سوريا إلى دويلات، استقطبت فرنسا الأقليات في سوريا وبعض مقاتلي دول مستعمرة مثل السنغال في تشكيل جيش الشرق لقمع الحركات الوطنية السورية بما فيها ثورة 1925-1927، بحيث كان قادة هذا الجيش من الفرنسيين وعناصره من الفقراء والمهمشين في سوريا".

وزاد: "الإقبال على جيش الشرق كان أكثر نجاحاً في الساحل السوري حيث كان الناس مهمشين عبر التاريخ، وحيث وفر جيش الشرق السلطة والنفوذ ما شكل أساساً في بداية العقيدة العسكرية عند أبناء الساحل المضطهدين، الأمر الذي ظهر لاحقاً في التاريخ السوري" في تسلم السلطة في دمشق. وبعد الاستقلال في نيسان 1946، أصبح "جيش الشرق" نواة للجيش السوري وسط مساعي "نخبة دمشق" لتهميش هذا الجيش ما كان أحد أسباب النكبة في 1948 وإن كان بعض أعضائه مثل حسني الزعيم وأديب الشيشكلي وراء انقلابات عسكرية وعبدالحميد السراج وراء تأسيس "الدولة الأمنية" مع الرئيس جمال عبدالناصر.

(الحياة)