طرد أوباما ديبلوماسيين روساً ليس سخيفاً.. ما علاقتهم بالسيليكون فالي؟

انتقد سياسيون وخبراء الرئيس الأميركي باراك أوباما، بسبب طرده 35 ديبلوماسياً روسياً في آخر شهر له في الرئاسة، معتبرين أن الخطوة جاءت متأخرة، إلا أن كالدر والتون، زميل في معهد كينيدي التابع لجامعة هارفارد، رأى أن الرئيس المنتهية ولايته اتخذ خطوة ذكية، وربما منع كارثة استخباراتية أخرى.

وذكر والتون في مجلة بوليتيكو الأميركية كيف أغلقت السلطات الأميركية مجمعين سكنيين تابعين لديبلوماسيين روس، وكان أحدهما أشبه بقصر فاخر، في عملية سخر منها معارضو أوباما.

سخافة

واعتبر عمدة نيويورك سابقاً، رودي جولياني، تلك الإجراءات الانتقامية بأنها "سخيفة جداً". ولكن السناتور الجمهوري ليندسي غراهام قال إنه كان الأجدر بإدارة أوباما أن ترمي "أحجاراً على الروس، لا حصى".

في المقابل، امتدح الرئيس المنتخب دونالد ترامب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بوصفه "فائق الذكاء" لامتناعه عن الرد على أميركا بنفس الطريقة.

دوافع

ويلفت والتون إلى فرضيات تقول إن طرداً علنياً لمشتبه بقيامهم بعمليات تجسس، كما فعل أوباما، لا جدوى منها، لأن النشاطات الفعلية تتم عادة في الخفاء.

ومن ثم يشير إلى احتمال أن يكون لدى أوباما دوافع أخرى ليس من بينها حماية الأمن القومي الأميركي، كالانتقام من بوتين، ولاتباع سياسات حزبية، والرغبة بتوجيه ضربة ودعاية لخليفته.

مزايدات سياسية

ولكن، بحسب والتون، لا يمكن اعتبار طرد أوباما لديبلوماسيين روس، ومهما تكن أسبابه، بمثابة مزايدات سياسية فارغة، ولا بد من فهم خلفياته. فقد أثبت التاريخ أن طرد مسؤولي استخبارات أجانب كان له نتائج مثمرة، كما تأكد لدى عدد من الدول الغربية خلال فترة الحرب الباردة.

عملية القدم

ويشير والتون إلى أكبر عملية طرد لمسؤولي استخبارات في تاريخ العلاقات الدولية، وهي التي أجرتها الحكومة البريطانية في أيلول 1971، عندما أمرت بطرد 105 مسؤولين سوفييت من بريطانيا. وقد أطلق البريطانيون على العملية اسم "قدم"، ربما في إشارة ماكرة إلى ركلهم خارج البلاد.

وكانت "عملية القدم" تلك نتاج ضغط مارسه إم آي 5، جهاز الأمن البريطاني، على حكومات بريطانية متعاقبة من أجل التعامل مع عدد متزايد من المسؤولين السوفييت المشتبه بتنفيذهم عمليات تجسس. فقد كان عدد ممثلي الاتحاد السوفييتي في بريطانيا في عام 1950 لا يزيد عن 138، ليرتفع بحلول عام 1960 إلى 249 شخصاً، ورافقتهم زيادة ملحوظة في عدد مسؤولي الاستخبارت السوفييتية.

تعبير مهذب

ويلفت والتون إلى استخدام إم آي 5 تعبير "نشاطات غير ديبلوماسية" كبديل مهذب لعمليات تجسس قام بها أكثر من 250 مسؤولاً سوفييتياً في بريطانيا في عام 1971.

ورغم إنكار السوفييت لمثل تلك النشاطات، تسارعت الأحداث عندما انشق ضابط رفيع في كي جي بي، أوليغ ليالين، وكشف لجهاز إم آي 5 أنه أوكلت له مهمة التحضير لشبكة من أعمال التخريب في بريطانيا لتنفيذها في حال قامت حرب عالمية ثالثة. وكان أن تم طرد 105 مسؤولين استخباراتيين سوفييت خارج بريطانيا.

اختراق

ويشير والتون إلى تهاني وجهتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية سي آي أي لنظيرتها البريطانية، ولكنها أخفقت في إقناع وزارة الخارجية الأميركية باتباع المثال البريطاني.

ويقول الكاتب إنه، وفي السنوات الأخيرة للحرب الباردة، وبفضل تردد وزارة الخارجية الأميركية، نجحت كي جي بي في اختراق صناعة الدفاع الأميركية، وسرقت أسرارها العلمية والتقنية. وخلال بداية الثمانينات، استخدمت دول حلف وارسو بقيادة السوفييت أسلحة اشتقت قرابة 70% منها من تقنيات غربية، أمريكية في معظمها.

تجسس عبر الفضاء

وبرأي الكاتب، وحتى في عصر التجسس عبر الفضاء، ما زال هناك فرصة للاعتماد على نشاط عملاء على الأرض. ولأن وكالات استخبارات أميركية تحتفظ عادة بكم هائل من البيانات السرية، فلا بد أن يسعى عملاء تجندهم روسيا لسرقتها.

ولا بد، كما يلفت والتون، للتنبه إلى أن عدداً كبيراً من الديبلوماسيين الذين طالب أوباما بطردهم من القنصلية الروسية في سان فرانسيسكو، كانوا على بعد مسافة قصيرة من وادي السيليكون، حيث ينفذ عدد من الشركات مشاريع حكومية فائقة السرية.

خدمة كبيرة

وربما، برأي الكاتب، قدم أوباما خدمة كبيرة لترامب، وذلك لاحتمال كونه منع عملية تجسس أخرى كانت ستتم عبر الفضاء الإلكتروني. ولكن يبقى هناك سؤال من حق منتقدي أوباما طرحه: لماذا تأخر في اتخاذ تلك الخطوة؟

(24)