عيون الأميركيّين على "عين الأسد".. وماذا بعد؟

تشي لغة التخاطب المستخدَمة همسًا بين الأهالي في محافظة الأنبار غرب العراق بأنّ زعماء العشائر السنّيّة هناك حسموا أمرهم في مجال التفاعل بشكلٍ إيجابيٍّ مع الحضور الأميركيّ المتزايد في أوساطهم، وذلك بعدما أصبح في حكم المؤكّد بالنسبة إليهم أنّ إدارة الرئيس دونالد ترامب جادّةٌ بالفعل في مساعيها الهادفة إلى إخراج بلادهم من دائرة النفوذ السياسيّ والعسكريّ الإيرانيّ، الأمر الذي يعني بكلّ بساطةٍ أنّهم اختاروا "أهون الشرّين" مقارنةً بما يعتبرونه "شرًّا لا بد منه" إذا ما وجدوا أنفسهم يومًا وجهًا لوجهٍ مع قوّات "الحرس الثوريّ" وميليشيات "الحشد الشعبيّ"، على رغم كلّ ما يمكن أن ينجُم عن تلك الانعطافة السريعة من عواقبَ واحتمالاتٍ خطيرةٍ، ولا سيّما إذا أعدنا للذاكرة أنّ أبناء هذه المحافظة هم الذين أطلقوا الشرارة الأولى للمقاومة المسلّحة ضدّ الغزو عام 2003، علاوةً على أنّهم استبسلوا في التصدّي للقوّات الأميركيّة عندما أمعنت بهم قصفًا وتدميرًا، على غرار ما حدث في الفلّوجة خلال الأشهر الأولى من عمر الاحتلال، ناهيك عن أنّ منزل شيخ عشائرها ماجد علي السليمان قرب مطعم الساعة في حيّ المنصور غالبًا ما ظلّ يشكّل بين الحين والآخر ملاذًا آمنًا للرئيس الراحل صدّام حسين في أعقاب سقوط بغداد، نظرًا لحجم الثقة المتبادَلة بين الرجلين، قبل أن يقوم الأميركيّون بمداهمته يوم السادس عشر من شهر أيّار عام 2003، وهو التاريخ الذي اضطرّ صدّام حسين بعده لمغادرة العاصمة العراقيّة والانتقال إلى مسقط رأسه في تكريت.

وإذا كان اختلاط الحابل بالنابل لاحقًا ما بين المقاومة المشروعة وما بين الإرهاب الإجراميّ قد أربك أبناء الأنبار إلى حدٍّ كبير، وخصوصًا إثر بروز ظاهرة أبو مصعب الزرقاوي أثناء قيامه بذبح المواطن الأميركيّ نيكولاس بيرغ بدمٍ باردٍ عام 2005، فإنّ طيّ الصفحة الأخيرة من ملفّ حقبة الحكم البعثيّ في بلاد الرافدين باعتقال الرئيس صدّام حسين، ومن ثمّ بإعدامه، كان لا بدّ له من أن يترك بصماته السلبيّة والحزينة بوضوحٍ في كلّ بيت من بيوت المحافظة.

عين الأسد!

على هذا الأساس، يصبح في الإمكان رسم علاماتِ استفهام كبرى حول المواقف التي نُسبت في وقتٍ سابقٍ من الأسبوع الحاليّ إلى عددٍ من المسؤولين في الحكومة المحلّيّة في الأنبار، وخصوصًا من جهة ترحيبهم باعتزام الولايات المتّحدة العمل على تحويل قاعدة "عين الأسد" قرب مدينة حديثة عند المثلّث الحدوديّ مع السعوديّة والأردن وسوريا إلى مقرٍّ دائمٍ لجنودها في العراق، ولا سيّما أنّ عمليّات إعادة تأهيل هذه القاعدة عن طريق إضافة مدرّجٍ جديدٍ للطائرات المقاتلة، وبناء وحداتٍ سكنيّةٍ للجنود، وفتح ملاجئ تحت الأرض، تجري في الوقت الحاليّ على قدمٍ وساقٍ من جانب ثلاثِ شركاتٍ أجنبيّةٍ متعاقدةٍ مع الجيش الأميركيّ، الأمر الذي يعني في المحصّلة النهائيّة زوال الحاجز النفسيّ الذي ظلّ يفصل على مدى السنوات الطويلة الماضية ما بين الأنباريّين وما بين الأميركيّين، وذلك على خلفيّة الاعتقاد القائل بأنّ هذا الحضور العسكريّ المرشّح لطول البقاء لا بدّ من أن يساعد على إعادة إعمار وتأهيل مدن المحافظة ومن أن يجلب معه المنظّمات الدوليّة والإقليميّة على حدٍّ سواء.

وإذا كان هذا التحوّل اللافت قد تمّ أصلًا في ضوء الزيارتين اللتين قام بهما الشهر الماضي تباعًا للعراق كلٌّ من وزير الدفاع الأميركيّ جيمس ماتيس ووزير الخارجيّة السعوديّ عادل الجبير، فإنّ اللافت أكثر هو أنّ أصداء هاتين الزيارتين لم يكن ليُقدَّر لها أن تصل إلى الأنبار على هذا النحو لولا الشريط المسجَّل الشهير الذي تمّ بثّه في شهر نيسان من العام الماضي لنائب الرئيس العراقيّ الأسبق المتواري عن الأنظار منذ أيّام الغزو الأولى عزّت إبراهيم الدوري، والذي طلب فيه من الولايات المتّحدة التحرّك لإنقاذ العراق وشعبه ممّا أسماه "الهيمنة الإيرانيّة"، داعيًا إلى الاصطفاف في وجه إيران تحت راية التحالف العربيّ بقيادة المملكة العربيّة السعوديّة، علمًا أنّ المفارقة الغريبة هنا تتمثّل في أنّ شيخ عشيرة الدليم ماجد علي السليمان، وبحسب ما نسبه إليه موقع "قناة العالم" الإيرانيّة في شهر آذار من عام 2015، كان قد شنّ هجومًا عنيفًا على الدول الخليجيّة بسبب ما وصفه بـ "موقفها المتخاذل من سنّة العراق"، قائلًا "إنّه لولا وقفة إخوتنا الشيعة وقتالهم تنظيم داعش لكنّا قد أصبحنا الآن عبيدًا لأبو عمر الشيشانيّ وأبو طلحة التونسيّ وغيرهم من أشباه الرجال".

وماذا بعد؟

ولعلّ السؤال الذي يطرح نفسه في ضوء ما تقدّم هو: إلى أيّ مدى يا ترى يمكن أن يؤثّر هذا الانخراط الأميركيّ المستجِدّ والمتفاعل على الساحة العراقيّة، بالتزامن مع الانخراط التصاعديّ المماثل في الميدان السوريّ، على الخطط الروسيّة الموضوعة لمستقبل المنطقة في غمرة تداعيات الحرب على الإرهاب؟

أغلب الظنّ أنّ الجواب يكمن في طيّات الموقف الذي عبّر عنه وزير الخارجيّة سيرغي لافروف نهار أمس السبت عندما قال إنّ قرار المعارضة السوريّة المسلّحة الأخير بشأن عدم حضور مفاوضات أستانة يعني أنّ ثمّة دولًا تسعى إلى وضع العراقيل على طريق التوصّل إلى تسويةٍ سياسيّةٍ للأزمة، الأمر الذي استوجب ترحيل موعد الجولة التالية من هذه المفاوضات إلى شهر أيّار المقبل، وأدّى بالتالي إلى فتح باب الاحتمالات بشأن ما يمكن أن يُدرَج في سياق الآتي الأعظم في سوريا، من البوّابة العراقيّة، على مصراعيه.

ولكن هل يعني ذلك أنّ روسيا بدأت تفقد مفاتيح الحلّ والربط على الساحة السوريّة بعدما دلّت كافّة الشواهد خلال العامين الماضيين على أنّها الأقوى والأجدر في هذا المجال؟

سؤالٌ.. لا شكّ في أنّ الإجابة عليه ستبقى سابقةً لأوانها قبل اتّضاح ما إذا كانت أبعاد الانخراط العسكريّ الأميركيّ الجديد في كلٍّ من العراق وسوريا تستهدف إعادة تمكين الولايات المتّحدة من الاستفراد مجدّدًا بإدارة ملفّات المنطقة أم لا؟

وحتّى ذلك الحين، فإنّ ما يبدو واضحًا هو أنّ موسكو ستواصل بذل جهودها على أساس سياسة "الوضوح البناء" التي جرت العادة على أن تنتهجها في مواجهة سياسة "الغموض البناء" التي يبدو أنّها أصبحت بمثابة مرضٍ مزمنٍ يصيب سكّان البيت الأبيض في واشنطن، مهما اختلفت شعاراتهم وبرامجهم، وسواءٌ كانوا ديمقراطيّين أم جمهوريّين أم شبه جمهوريّين!

وممّا لا شكّ فيه أيضًا أنّ أولويّات الإدارة الروسيّة في الوقت الراهن ستبقى متمثّلةً في السعي إلى سدّ الثغرات الناجمة مؤخّرًا عن اختلافات الحليفين التركيّ والإيرانيّ بين بعضهما البعض، أملًا في تحصين التحالف بين موسكو وأنقرة وطهران في مواجهة الغموض الآتي والمحتمل الصعب.. وعسى أن يدرك القادة الأتراك والإيرانيّون خطورة ما يفعله دونالد ترامب في هذه الأيّام، فيتّعظون، ويتّحدون!