هذا ما يقوله عِلم النفس عن الأم

مع اقتراب عيد الأم، يشتري كلّ منا هدية لأمه وحسب موازنته المالية. منا مَن يختار هدية من الذهب، وآخرون بيننا، غداء في مطعم، أو قالب حلوى مع باقة ورد وصولاً إلى رسالة معايدة بسيطة. المهم في هذه المعايدات المختلفة هو العاطفة والحنان اللذين سيظهرهما الأولاد لأمهاتهم. ويمكن أن تكون الهدية بسيطة جداً، لكن فيها كثير من العاطفة والحنيّة. فما هو تفسير علم النفس والتحليل النفسي للأم؟ وكيف ينظر علم النفس لشخصية الأم؟ وهل المرأة تستطيع الاحتفاظ بصفات شخصيّتها الطبيعية بعدما تصبح أمّاً؟ الأم هي الشخص الذي لا يمكن مقارنته مع أحد. هي التي كُتِبَت لها القصائد والقصص، كشكر لها ولمحبتها اللامتناهية. هي التي تقدّم الحياة لأطفالها من دون أيّ مقابل.

هي التي تحب وتعطف وتهتم بأطفالها بلا شروط. هذه هي الأم. وللأم دور أساسي ومهم في منزلها وإلى جانب كلّ فرد من عائلتها.

هي المربية لأطفالها والمثال الجيد للعطاء والمحبة وهي الحامية لأسرتها. كما لها دور فعّال في الحفاظ على التوازن النفسي والنفسي- الإجتماعي لزوجها وجميع أطفالها.

الأم وعلم النفس

يفسّر علم النفس طبيعة الأم من خلال علم النفس الأنثوي، مؤكداً بأنّ كلّ أم تتمتّع بصفات موجودة عند جميع أمهات العالم، في أيّ بقعة من الأرض، وهي:

• التضحية: فالأم مثال ممتاز للتضحية. هي تهتم برعاية طفلها منذ ولادته وإلى آخر يوم من حياتها. وطبعاً دور الأب، لا يقل أهمية عن دورها، فهو السند الحقيقي (أو من المفترض أن يكون السند الحقيقي للأم).

• الحنان: تكرّس الأم كلّ وقتها لأولادها. كما أنها تربط بين مختلف أفراد عائلتها بحنانها ومحبتها لهم، وخصوصاً في الأسر التي فيها مشكلات عائلية، حيث تحاول إيجاد حلول ليبقى التلاحم بين أعضاء العائلة. كما تساهم في ضخّ روح التعاطف والتعاون والتضحية بين الإخوة والأخوات.

• الأخلاق: من أهم الصفات التي تتمتع بها الأم محاولتها نقل «هذه الأخلاق» إلى أطفالها وبشتى الطرق.

الطفل الذي إعتاد على سماع الكلام الجميل والتشجيعي واللائق من أمه، سيتربّى مكوِّناً توازناً نفسياً لشخصيته. والعكس صحيح، ففي العائلة حيث تكثر المشاجرات والمشكلات وحيث الأم متقلّبة المزاج، يتميّز الأطفال بعدم الإستقرار النفسي والعاطفي.

التحليل النفسي

تزيد مسؤوليات المرأة بعدما تصبح أمّاً، وبالتالي يزيد الضغط النفسي عليها، ما يؤثّر في شخصيتها، فتشهد تغيّرات على الصعيد النفسي والإجتماعي. ولكنّ الأم تحبّ وتعطف على أطفالها بدون أيّ شروط.

وعلاقة الأم بطفلها، لا تبدأ من الثواني الأولى لولادته، بل منذ أشهر الحمل الأولى، حين يكون الطفل جنيناً، في بطنها، يتفاعل مع صوتها، وردات فعلها. وعند ولادة الطفل، تصبح هذه العلاقة «واقعية» بعدما كانت مبنيّة على الأصوات والإنفعالات.

كما تؤدي الأم دوراً مهمّاً جداً في حياة طفلها وهو سدّ حاجاته الفيزيولوجية والنفسية على حدّ سواء. ويعني ذلك، الرد السريع على كلّ متطلباته كالغذاء والنظافة وغيرها، بالإضافة إلى الحنان والأمان والحبّ والمحادثة... ما يساعده على صقل شخصيته المستقبلية.

والجدير بالذكر أنّ الطفل يتعرّف الى أمه من خلال نبرة صوتها التي حفظها في ذاكرته خلال حديثها معه عندما كان جنيناً. كما تساهم الأم في تكوين شخصية الطفل (طبعاً مع التدخل المباشر للأب) وتشارك مع الوالد في تربيته.

فالتربية هي المسؤولية الكبرى التي تجمع الوالدين، ويكتسب الطفل منهما معظم الأنماط السلوكية والتصرفات (الحسنة أو السيّئة) وأيضاً الطبع. وتُعلّم الأم طفلها أن يكون إجتماعياً، فتساعده منذ صغره على التكيّف الإجتماعي والتواصل مع الآخرين وقبولهم وحسن معاملتهم وإحترامهم.

هل تتغيّر شخصية المرأة بعدما تصبح أمّاً؟

على صعيد علم نفس النموّ، تبدأ شخصية الإنسان بالتكوّن منذ الدقائق الأولى من ولادته. التربية والعائلة ونظرة الأهل للطفل (خصوصاً نظرة الأم)، والأحوال الإقتصادية والمشكلات العائلية... تؤدي دوراً أساسياً في بلورة شخصيته التي تصبح غير قابلة للتغيير بعد عمر الرشد أي بعد عمر الـ 18 تقريباً. وإذا طرأت تغيّرات جسيمة في حياة الإنسان، طبعاً لا تتغيّر شخصيته، بل تتغيّر تصرفاته لتتأقلم مع هذه التغيّرات المفاجئة.

وتؤكد الدراسات النفسية بأنّ شخصية المرأة لا تختلف بعدما تصبح أمّاً، ولكنّ مواقفها تتغيّر كما قدرتها على التكيّف. فتصبح أكثر ليونةً بسبب خبرات الأمومة التي تعيشها يومياً من خلال إهتمامها بأطفالها.

كما قد تختلف بعض تصرفات الأم ومنها العصبية والعدوانية والنرجسية والأنانية والغيرة وغيرها من الصفات السلبية، إذ تحوّلها الأمومة إلى أم عطوف وملتزمة بعائلتها ومنزلها. ولكن لا يمكن تعميم ذلك. وحالياً، لا زالت الأم المعاصرة العاملة، وعلى رغم زيادة مهامها، داخل البيت وخارجه، تلعب دورها كاملاً كأم. أمّا الأم المثالية فهي التي توازن ما بين وقتي العمل والمنزل.

فمع شراء الحاجيات ونظافة البيت، وتلبية مطالب أولادها، وغسل الثياب، والإهتمام بالطعام وتحضيره، تجد الأم المثالية أيضاً وقتاً للتواصل مع أطفالها والتحدّث معهم عن مخاوفهم ومشكلاتهم ما يعزّز العلاقة بينها وبين جميع أفراد عائلتها. هذه هي الأم المثالية... وهذا حال معظم الأمهات.

(د. انطوان الشرتويني - الجمهورية)