.. عندما يحذّر "السيد" من اللعب على حافة الهاوية!

مهما يحاول المرء مواكبة الحركة السياسية المترافقة مع غليان الشارع وغضب الناس ونقمتهم يبقى مقصّرًا في إستيعاب ما يجري من تطورات، وتفوته تفاصيل قد تكون أهمّ من العناوين، لما فيها من حيثيات لا تبدو في أغلب الأحيان ظاهرة للعيان، وهي التي تكون عادة في متناول اليد.

فمنذ أن كانت مسرحية إقرار الضرائب التي تصيب الفقير في نقاط ضعفه وفي مقتله، وتطيير جلسة إقرار السلسلة، التي أصبحت كحكاية إبريق الزيت، تتوالى الأحداث في شكل إنحداري خطير، بحيث لم يعد جدول الأولويات مدوزنًا بما يتناسب وحجم المخاطر التي تعيشها البلاد، بدءًا من عدم التوصل إلى الحدّ الأدنى من التوافق السياسي على إقرار قانون للإنتخابات لا يكون مقاسه مفصّلًا على قياس أشخاص أو فئات دون غيرها، وكأن الإنتخابات الرئاسية على الأبواب، وكأن لا همّ لدى البعض سوى ضمان أكثرية وازنة يكون لها كلمة الفصل في أي إستحقاق دستوري مستقبلي.

وقد شهد الشارع تحركات تطالب بتصحيح ما شاب العملية الضرائبية من إجحاف، تلتها فوضى وصلت إلى حدّ التطاول على مقام رئاسة الحكومة وشخص الرئيس سعد الحريري بالذات، وهو الذي أراد أن يوصل إلى المتظاهرين رسالة سياسية مفادها أن الحكومة هي مع الشعب وتؤيد مطالبه المحقّة، وهذا ما لم يقنع بعض المعتصمين الغاضبين فأنقلب السحر على الساحر. وفي ذلك بعضٌ من سوء تقدير من قبل بعض مستشاري رئيس الحكومة، الذين كان يُفترض بهم تدراك ردات فعل الشارع قبل إتخاذ قرار كقرار النزول إلى شارع هو في الأساس حانق وغاضب جراء ما يتخذ من خطوات يعتبرها لغير مصلحته.

وقد سبق هذا التحرك كلام للأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله حذّر فيه من اللعب على حافة الهاوية، وما يمكن أن يؤدي إليه من نتائج غير محمودة العواقب. ووضع في سلم الأولويات، على رغم أهمية المسائل الحياتية، ضرورة وصل الليل بالنهار للتوصل إلى قانون للإنتخابات لا يكون على حجم أشخاص، بل ينطلق من معايير وطنية واحدة ومنصفة لجميع شرائح على أساس النسبية المطلقة، و"إن كنا سنخسر بعض المقاعد"، وفي هذا القول ردّ غير مباشر على الطرح المختلط الثالث الذي تقدّم به الوزير جبران باسيل، بعد الطرحين المختلطين الأولين، واللذين قوبلا برفض واضح من الثنائي الشيعي، وكان الظّن أن أحد الحليفين لن يقف في الجهة المعاكسة، مع ما لهذه الواقعية السياسية من عدم الممالقة وتطييب الخاطر، وهذا يوحي بما ستكون عليه المرحلة المقبلة في المشهدية السياسية الحبلى بالمفاجآت.

وبالعودة إلى ترتيب الأولويات لا بدّ من التنبيه إلى أن الضرائب التي أقرّها ممثلو الشعب، والتي طاولت شرائحه الفقيرة والمتوسطة بشكل أساسي ورئيسي ستسلك طريقها إلى الجريدة الرسمية، وهي لم تنتظر هذه اللحظة لتجد الطريق الأقصر إلى جيوب هذه الفئات، التي "طلعت من المونة بلا حمّص"، فأقرّت الضرائب وبقيت السلسلة مربوطة بسلسلة المصالح الضيقة لهذا النائب أو تلك الكتلة. وهذا ما أغضب الشارع وخربط ترتيب الأولويات ودُفعت الأمور دفعًا إلى حافة الهاوية.