ما بين ميشال عون... وجبران باسيل

لا حاجة للتدقيق كثيراً في خطاب رئيس الجمهورية ميشال عون وخطاب "تكتل التغيير والاصلاح" من باب المقارنة بينهما، للتأكد من أنّ الفريقين يسيران أحياناً في خطين متوازين يصعب التقاؤهما، ولا سيما في ما خصّ قانون الانتخابات ومصير الاستحقاق المعلق على مشنقة الفراغ... ويخشى أن تُسحب الكرسي من تحت قدميه، فيغرق في نفق المجهول.

اذ بينما ينادي رئيس الجمهورية بالنسبية الكاملة كعمود فقري لقانون الانتخابات اقتناعاً منه بأنّه النظام الأسلم لتأمين التمثيل الصحيح لكل شرائح المجتمع سواء كانت طائفية أو سياسية، يذهب "التكتل العوني" في مقاربته لهذه المسألة الى حدود عرض خمسة مشاريع، وهي: الأرثوذكسي، النسبية على 14 دائرة، المختلط على قاعدة 65 في المئة، والتأهيلي، الاقتراح الأخير القائم بجزء منه على الأكثري ــ الطائفي، والنسبي ــ الوطني.

وبينما رفع رئيس الجمهورية سقف تحذيره من مغبة اغفال وضع قانون جديد للانتخابات، الى حدّ التلويح بالفراغ التشريعي اذا اقتضى الأمر، كان الوزير جبران باسيل يجزم بعكس ذلك، مؤكدا أنه لا للتمديد ولا للفراغ.

عملياً، يميل العونيون الى تأكيد هذا الفصل في المسار تحت عنوان خصوصية موقع رئاسة الجمهورية، وخصوصية الفريق البرتقالي. فالرئاسة لكل اللبنانيين وتمثّل كل اللبنانيين بينما "تكتل التغيير والاصلاح" فريق سياسي له مكانته وموقفه ورأيه، ولذا قد لا يلتقي أحياناً مع الكرسي الأولى.

قد يصح هذا الكلام وقد يكون هذا الأداء في محله. ولكنه لا يعفي رئاسة الجمهورية من ثمن ما. فالجنرال ميشال عون لم يصل إلى بعبدا الا بكونه المسيحي الأول، صاحب الحيثية التمثيلية الأقوى بين منافسيه، رفاقاً وخصوماً. وتحت هذا العنوان خيضت معركة الرئاسة وقطع الرجل الأميال الأخيرة الصعبة بعدما تأمل المسيحيون بأن رئاسة ميشال عون غير تلك التي سبقتها. المسيحي القوي سيجعل من رئاسة الجهورية، الضعيفة دستورياً، قوية.

اقتنع هؤلاء بأنّ وجود رئيس محصن بالحيثية التمثيلية سيجعل من تجربته فريدة لاستعادة حقوق ضاعت على مدى العهود السابقة. بالنتيجة، هذه الحيثية، تتمثل بتكتل "التغيير والاصلاح"، ككتلة نيابية وأخرى وزارية.

تمثل الكتلتان، الذراع التنفيذية للرئيس "القوى"، بمعزل عن مدى قدرتهما على احداث الفرق المرجو. ولكن أن يصار الى فصل المسارين، فهذا يعني تجريد الرئيس من "عضلاته" التنفيذية ليصير نسخة طبق الأصل عمن سبقوه للشكوى من فقدانه "القوة الضاربة" سواء من الكتلة النيابية المؤيدة، أو من الصلاحيات المطلوبة لتنفيذ مشاريعه وأفكاره.

ماذا تنفع الرئاسة القوية اذا كان الرئيس ينادي بالنسبية الكاملة فيما فريقه التنفيذي يفاوض على مشاريع مختلطة مثلاً؟

قد يأتي الجواب أنّ الوزير جبران باسيل يتقن فن السياسة للوصول الى الممكن من التفاهم مع القوى السياسية المتضاربة في مواقفها من قانون الانتخابات، لأن الأولوية هي لتغيير القانون ودفن الستين مرة واحدة وأخيرة. وقد يكون الردّ بأن الوقوف خلف طرح رئيس الجمهورية بالتمسك بالنسبية الكاملة، طالما أن الحلفاء مصرون بدورهم على هذا الموقف، سيقوي هذه الجبهة أكثر وقد يدفع بالممانعين الى الاستسلام للنسبية الكاملة... بحيث يصبح توسيع بيكار الطروحات من باب اضعاف موقف الرئاسة لا أكثر!