"قطراتُ مياه" لم تفشل التظاهرة... ولكن!

من بين الحشود، وبالتدقيق في الشعارات، ارتكزت المطالب في ساحة رياض الصلح على هدف موحد، فيما اتجهت أخرى نحو التعميم. لكن لا بأس، فمن منكم يتحكم بزمام الأمور في حياته الفردية وقادر على ادارتها بشكل مثالي، ليرشق بتظاهرة حاشدة نجحت الى حد كبير في تحديد أولوياتها وبتعليق الضرائب.. برشقات مياه.

البعض اعتبر أن التظاهرة أمس فشلت مع أول فرقعة نارية أو رشقة مياه أو صرخة غير أخلاقية أو شعار منفصل أو منفصم. وهنا لا بد من ذكر أنه في المشهد العام، كل شيء كان طبيعياً الى حين قيام بعض المشاركين بإثارة عراك بسيط نسبياً مع عناصر مكافحة الشغب، الذين ترجموا ردة فعلهم بكلمة واحدة "بلشوا"، حينها استنفرت القوى الأمنية ومكافحة الشغب، إلا أن أحداً (حزبيين وغير حزبيين) لم يستجب أو يتفاعل مع أعمال الشغب، بل أداروا لهم ظهورهم واستمرت التظاهرة الحضارية كما ينبغي. "الفوعة" الأولى الحقيقية كانت مع مبادرة الرئيس سعد الحريري بالنزول لمخاطبة المتظاهرين عبر الميكروفون، وما رافقها من ردات فعل غاضبة خاصة بعد اتهامه لحملتهم بأنها "مؤامرة" قبل يوم واحد فقط، فبدأ البعض برشق عبوات مياه، كادت أن تصيب رأسه في احدى المرات، فانصرف! حسناً "إنها مجرد قنينة مياه" قال البعض، مضيفاً: "الناس ُكمّت أفواهها منذ الحرب الاهلية الى حين موعد التظاهرة عن أخطاء لا تغتفر، ارتكبت بحق اللبناني والوطن والوطنية والمواطنة، فليكموا أفواههم عن "قطرات مياه".. ليستنكر آخرون التصرف غير الحضاري والمرفوض احتراماً لموقع رئيس الحكومة.

بعيداً عن هذا الجدل، إن من شأن إعادة تحريك شعور المواطن بإمكانية التغيير والنضال بعد مسيرة يأس طويلة، وهي معجزة خاصة بعد فشل تظاهرات 2015، أن تشير الى أن اللبناني لا يمل، وهو ما عكسه نزولهم حتى قبل موعد التظاهرة، التي نجحت في حشد طروحات عكستها الشعارات التالية: "لا للضريبة من جيوبنا.. لن ندفع ولا ليرة اضافية، لا لتمويل السلسلة من جيوبنا".. "على الضرائب أن تكون لخدمة الفقراء".. "لتفرز السلسلة ما تدور الضرائب بل صفّر الهدر".. يا أيها الوزير يمكن الـ1%TVA على جيبتك خفيفة بس عجيبتي تقيلة كتير".. كثيرة كانت الشعارات التي صوبت على الهدف، لكن من عوّل على التغيير في ساعة من زمن أو شهر أو سنة او حتى سنوات، فهنا يكمن الخطأ بعينه، لان التغيير يحتاج الى مسار طويل جداً جداً جداً.. وقبله مواقف جدية غاضبة وتعبيرية.

الاجمل من مشهد امس، التصريحات التي كشفت المستور تباعاً عن صفقات سرية ومشبوهة، فأعلن وزير المالية علي حسن خليل اليوم الاثنين أن "المصارف ومسؤولين عرضوا على الوزارة مليار دولار للاستغناء عن بند الضرائب على المصارف"، وأيضاً على لسان خليل "في الهندسة المالية الاخيرة حصلت المصارف حوالى 5 مليارات دولار وما كان يجب تحصيله من شركات الاموال والمصارف منذ عام 2014 وحتى اليوم يعادل ملياري دولار"! مع تسجيل تحفظه على 1% tva.

في حين اعلن النائب ابراهيم كنعان أن "هناك تهرباً ضريبياً يصل الى 200 مليون دولار وفق الارقام الرسمية".. والغريب أنه كشف عن تعديلات تخص اعفاءات عن الضريبة تشمل 90 سلعة على ان تكون ضمن سلّة متكاملة واصلاحات.. توالت اذاً التعديلات والاعترافات بالارقام والوقائع، ومن جهة أخرى، تراجع خليل عن احدى الضرائب قائلاً: "الضريبة على السفر تطال الدرجة الأولى فقط، فيما هي تطال المواطن المسافر في الدرجة العادية بـ 75 ألف ليرة لبنانية عداً ونقداً، بحسب مرسوم رقم 10415.

وبين مؤامرة سياسية من جهة، وحملة كونية ضد مجلس النوب من جهة أخرى، هناك من نزل ليسّمع صرخته فقط لا غير. أما عن بعض "الاخطاء" التي قيل أنها أفشلت الحراك، وعن قنينة المياه التي اشتهرت عالمياً أكثر من الشعارات المطلبية، فلو اطلع عليها سياسيو لبنان، لما احتاجوا الى المطالبة بتشكيل لجنة.

نختم مع حديث مع أحد موظفي البنوك، والذي قال: المصيبة الكبرى أن الضرائب تُفرض على الودائع وليس على ارباح البنوك، أي أن المواطن يدفع فوائد البنوك وضريبة على الوديعة".. !