نكسة

يتفق المعنيون وحتى المقربين على ان العهد أصيب بنكسة عبرت عن نفسها في نزول الشعب إلى الشارع اعتراضاً على افقاره بفرض ضرائب عشوائية عليه تطاول لقمة عيشه، وتزيد من حرمانه حتى من أبسط حقوقه العادية، ما استدعى إلى استنفار أهل السلطة بعد سلسلة اتصالات ولقاءات عاجلة إلى وضع الخطط إما بقصد تهدئة الشارع الغاضب واما بقصد المواجهة من خلال الإصرار على فرض الضرائب تحت قبة برلمان ما زال يبحث عن صيغة لقانون انتخابات جديد من دون أية جدوى أو مؤشرات تعطي ولو بصيص أمل ضئيل بإمكان الوصول إلى اتفاق عليه بالنظر لتضارب المصالح الانتخابية والنفوذ بين الذين نصبوا أنفسهم بحكم الظروف القابضة على البلد منذ عدّة عقود أولياء على هذا الشعب الفقير.

ومن المؤسف جداً ان هؤلاء ما زالوا رغم غليان الشارع يتعاملون مع الوضع بعشوائية وخفة بما يمكن أن يؤدي إليه اصرارهم على سياستهم المضطهدة، من النتائج السلبية ليس على العهد وحده، وإنما على الدولة بوجه الخصوص، والتي ان كانت بدأت بإعتراض عبر عن نفسه بالنزول إلى الشارع، قد لا تنتهي في حدود الغليان المدني، طالما ان الشعب فقد كل أمل بتراجع أهل السلطة عن سياسات الإفقار والتجويع التي يتبعونها حتى الآن، في الوقت الذي يُدركون جيداً ان الأمور تهدأ في حال استبدلوا سياسة الافقار والتجويع ضده، بسياسة بديلة تقوم على وضع خطط مدروسة بدقة للاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والصحي والسياحي والمالي تماماً كما فعلت وتفعل الدول الحريصة على أمن شعوبها ورفاهيتها وتوفير كل مستلزمات العيش بكرامة والاطمئنان إلى المستقبل.

ثمة اقتراحات طرحت في الأيام القليلة الماضية لاحتواء هذا الوضع المتفجر، لعل من أهمها عدم فرض ضرائب جديدة لا من أجل توازن الواردات والنفقات في الموازنة العامة من شأنها ان ترهق الشعب الذي يُعاني من العوز والفقر وانعدام أية ضمانات صحية وإجتماعية له ولا من أجل تمويل سلسلة الرتب والرواتب التي يعتبرها الشعب حقاً مقدساً لموظفي القطاع العام، والاكتفاء بتقديم موازنة إلى مجلس النواب خالية من الضرائب على غرار موازنة العام السابق على أن تكون مشفوعة بتعهد من الحكومة لوضع خطط وسياسات اقتصادية ومالية وصحية وسياحية واستثمارية تكون كلها مترافقة مع خطط للاصلاح العام، من وقف الهدر المقدر بآلاف المليارات من الدولارات ووقف تهرب كبار الأغنياء من سياسيين وأصحاب شركات ومصارف من دفع الرسوم الضريبية المتوجبة عليهم سنوياً والتي تقدر أيضاً بعشرات بل بمئات الملايين من الدولارات والتي في حال سدادها إلى خزينة الدولة تساعد بشكل ملموس على تخفيف العجز العام، والديون الباهظة على الخزينة، ومن وقف الفساد المستشري في كل زاوية من زوايا الإدارات العامة إلى درجة بات هذا البلد مضرب المثل بالفساد والمفسدين وبالطبقة السياسية التي تحمي هؤلاء، وتدافع عنهم وتنسى الطبقات الفقيرة المعدمة، بل وتزيد من الأعباء عليها بفرض الضرائب الجديدة بحجة انها مخصصة لتغطية نفقات تعديل سلسلة الرتب ورواتب موظفي القطاع العام.

على أرباب السلطة المنهمكين بعقد الاجتماعات بعيداً عن الأضواء، المبادرة فوراً إلى الأخذ بالاقتراحات الإصلاحية الناجحة بطبيعتها بدلاً من البحث عن خطط لمواجهة الشارع الثائر وارهاقه بالضرائب التي لاطاقة له على تحمل أعبائها.