وقعَ التمديد... و»إلى النسبية دُر»

تبدأ اليوم مهلة التسعين يوماً الدستورية لانتخاب مجلس نواب جديد يخلف المجلس الحالي الذي تنتهي ولايته في 21 حزيران المقبل، لكنّها انتهت قبل أن تبدأ، فلا دعوة وُجِّهَت أمس إلى الهيئات الناخبة وفق الأصول، وبالتالي لا انتخابات ستجري طوال هذه المدة، فإلى أين مِن هنا؟حتى ولو صدر مرسوم دعوة الهيئات الناخبة إلى انتخاب مجلس نيابي جديد، فإنه غيركافٍ، إذ ينبغي تأليف هيئة الإشراف على الانتخابات المنصوص عنها قانوناً، وينبغي أن يكون هناك قانون انتخاب متفَق عليه لإجراء الانتخابات على أساسه. فقانون الستين النافذ هو موضع نزاع، وحتى ولو قرّ الرأي على السير به، فينبغي تأليف هيئة الإشراف على الانتخابات شرطاً لازماً، وإلّا فلا تكون هذه الانتخابات قانونية.

ولكن حتى الآن لا مؤشّرات لا إلى تعويم القانون النافذ، ولا إلى دعوة الهيئات الناخبة، ولا إلى تأليف هيئة الإشراف على الانتخابات، ولذلك دخلت البلاد في مهلة التسعين يوماً من دون توافرِ كلّ هذه العناصر، ما يعني حتماً أنّ الانتخابات لن تحصل في خلال الفترة المتبقّية من الولاية النيابية الممدّدة، وأنّ المجلس سائر إلى تمديد جديد لولايته، أقلّه ستّة أشهر مرحلة أولى مشروطة بإقرار قانون انتخابي جديد يحدّد في متنه موعداً لإجراء الانتخابات، ربّما يكون الخريف المقبل، أو في ربيع 2018، حسبما يرغب البعض.

ولكن على رغم هذا الجوّ التشاؤمي، فإنّ قطباً سياسياً يؤكّد أنّ الأمل في الاتفاق على قانون انتخابي جديد ما زال كبيراً، ويمكن حصوله خلال فترة قريبة، فهناك حراك يجري بعيداً من الأضواء في هذا الاتجاه يأخذ في الاعتبار سقوط كلّ الصيَغ التي طرِحت حتى الآن في شأن القانون العتيد والتي كان آخرها الصيغة المختلطة التي طرَحها رئيس «التيار الوطني الحر» الوزير جبران باسيل، وكان من هذا الحراك لقاء انعقد في «بيت الوسط» قبل يومين ضمَّ الرئس سعد الحريري وباسيل والوزير علي حسن خليل وممثّلاً لحزب الله، وقد تلاه لقاء ليل أمس الأول في «بيت الوسط» أيضاً بين الحريري ورئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع، ويندرج في هذا الإطار أيضاً زيارة الحريري لرئيس مجلس النواب نبيه بري مساء أمس في عين التينة.

ولكنّ هذه الاتصالات ستخفّ قليلاً خلال الأيام المقبلة، حيث سيزور الحريري مصر لثلاثة أيام، فيما سيتوجّه باسيل إلى واشنطن في زيارة تستمر إلى الأسبوع المقبل، ما يعني أن ليس هناك استعجال لدى المعنيين في شأن القانون الانتخابي طالما إنّ الاستحقاق النيابي لم يعد ضاغطاً وبات في حكمِ المؤجّل.

لكنْ أيّ قانون انتخابي سيكون مقابل التمديد النيابي الجديد؟

واضح، في رأي القطب نفسِه، أن لا انتخابات ستجري على أساس قانون الستين، ولا على أساس القوانين المختلطة بين النظامين النسبي والأكثري، وإنّما وفق قانون يعتمد النظام النسبي كلّياً على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة، أو خمس دوائر كبرى هي المحافظات الخمس التقليدية، أو 7 محافظات، أو على أساس لبنان 13 دائرة، وفق مشروع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، أو على أساس جعلِ كلِّ قضاءَين دائرةً انتخابية، فإذا كان لبنان يتكوّن من 24 أو 25 قضاء أو أكثر فليعتمد 12 دائرة بجعلِ كلّ قضاءَين دائرةً واحدة، أو حتى 16 دائرة لا فارق، المهم أن يعتمد النظام النسبي الذي من شأنه تأمينُ عدالة التمثيل وشموليتُه لكلّ المكوّنات اللبنانية في مجلس النواب، وهو ما ينصّ عليه «اتفاق الطائف» والدستور الذي انبثقَ منه.

علماً أنه في حال اعتماد لبنان دائرةً واحدة على أساس النظام النسبي يمكن أن تخوض الانتخابات لائحتان، إذ ارتأى المعنيون، بحيث تنال كلّ منهما مقاعد نيابية بحسب نسبة الأصوات المئوية التي تنالها سواء على المستوى الوطني أو حتى على المستوى الطائفي والمذهبي.

وفي رأي القطبِ نفسه، إنّ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري ألزَما نفسَيهما وتعهّدا بإجراء الانتخابات على أساس قانون جديد، ولذلك بات لا يمكنهما السير في انتخابات تجري على أساس قانون الستين، وبالتالي فإنّهما في ظلّ تعذّرِ الاتفاق على القانون العتيد، باتا يحتاجان إلى تبرير مقنِع لتمديد ولاية الملجس حتى يتمّ التوصّل إلى مِثل هذا القانون وإجراء الانتخابات لاحقاً على أساسه، ومن دون ذلك لن يكون التمديد مقنِعاً، وبالتالي يشكّل نكسةً معنوية كبرى لهما لأنّهما في هذه الحال سيتعرّضان للاتّهام بالنكوث بوعدهما إجراءَ الانتخابات على أساس قانون جديد، ما ينعكس سلباً عليهما وعلى مستقبل البلاد عموماً. ولذلك سيجهدان بقوّة لتجنّبِ تجرّعِ هذه الكأس المرّة.

ويعتقد هذا القطب أنّ الحريري كان موفّقاً في خطوة نزوله إلى ساحة رياض الصلح لمخاطبة المتظاهرين متعهّداً بتلبية مطالبهم ومعالجة الهدر والفساد «بالتعاون» مع رئيس الجمهورية، إلّا أنّ ذلك رتّبَ عليه التزامات جديدة، عليه أن يفيَ بها لاحقاً.

علماً أنّ هذه الخطوة تعطيه دفعاً معنوياً في شارعه يمكنه أن يبنيَ عليه لتدعيم موقعِه السياسي والتمثيلي في الحياة السياسية، مع العِلم أنه يقف على أبواب اتّخاذ مبادرات لا مفرّ منها من شأنها أن تساعد في التوافق على قانون الانتخاب.

والمرجّح أنه سيَسير بقانون انتخاب يعتمد النظام النسبي، وكان لافتاً في هذا المجال ما قاله وزير الداخلية نهاد المشنوق إثر زيارته رئيس الجمهورية أمس من أنّ النسبية في قانون الانتخاب «صارت حقيقة».

ولذلك يعترف كثيرون أنّ «التمديد التقني» صار حتمياً، والجميع باتوا أمام حقيقة «إلى النسبية دُر»، في انتخابات موعدُها الأدنى الخريف المقبل، والأقصى ربيع 2018.