"حزب الله" ـ "التيار الوطني": تباين عابر أم بداية انفصال جدّي؟

بين النسبية والتأهيل والستين والتمديد حالة شبه طوارئ على الساحة السياسية، وواقع جديد فرض نفسه في الآونة الأخيرة بين "حزب الله" والتيار العوني، في ظلّ توتّر ملحوظ لم يعد خافياً على أحد.

فهل يكون هذا الجوّ السائد حاليا مجرّد تباين عابر بين الحليفين، أم أنّ بداية انفصال جدّي بدأت تبرز ملامحه في الأفق بعد تحالف طويل هاجمه البعض على أساس أنّه لا ينسجم وطبيعة محيط الطرفين، وأشاد به البعض الآخر بناءً على ما قدّمه من استقرار سياسي على الساحة اللبنانية طوال السنين المنصرمة التي هيمن عليها التوتّر الطائفي والصراعات الإقليمية وتشعّباتها؟ وهل يؤثر المناخ المتردّي بين البرتقاليين و"حزب الله"، آنياً كان هذا الخلاف أم عميقاً، على التحالف بين حارة حريك وبعبدا، ليصبح العهد أول ضحايا التراجع في العلاقات كما يخشاه البعض؟

بعد اجتماع بعبدا الأخير(منذ حوالي العشرة أيام) بين الرئيس ميشال عون والوزير جبران باسيل من جهة، ووفد رفيع من "حزب الله" من جهة أخرى، والذي اتفق الفريقان فيه على أن يختلفا حول موضوع قانون الانتخاب، أصرّ أعضاء الحزب على ألّا يخرج الخلاف الانتخابي من إطاره، أي أن يبقى محصورا بموضوع الانتخاب من دون تجاوزه ليطال التحالف العريض بين الفريقين. الا أنّ الاستياء من تخلّي باسيل لمبدأ النسبية الذي كان قد سبق للتيار الوطني وللرئيس عون أن رحّبا به وأن أثنيا عليه حتى قبل انتخاب عون رئيساً، تحوّل الى انزعاج من الوزير مع اعتماد هذا الأخير لخطاب طائفي شديد اللهجة مؤخّراً، الى درجة انّه وصف بـ "الانعزالي" في بعض الأوساط وخصوصا في الطوائف الأخرى. ويذهب البعض الى التأكيد أنّ الخلاف بين الطرفين بات عاموديّا لا أفقيا، بمعنى أنّه بدأ يسبّب شرخا مهماً بينهما، ولم يعد محصورا بتباين على تفاصيل المرحلة. ويقول هؤلاء أنّ الثقة بباسيل في الحزب مفقودة تماماً بشكل عام، باستثناء عدد قليل في حارة حريك ما زالوا يأملون بأن تستعيد الأمور عافيتها وتعود عقارب الساعة الى الوراء أو بالعكس، وأن تتجاوز هذه المرحلة بسرعة، لتستعيد الأمور مجراها الطبيعي بين الحلفاء.

الّا أنّ متابعين للموضوع يؤكدون أنّ "الزعل" من باسيل قد يكون عارما في صفوف قاعدة حزب الله، الّا أنّه لم يتخطّ حالة الانزعاج من الوزير في كوادر الحزب وعلى مستوى رفيع في حارة حريك، حيث يدرك القادة أنّ باسيل يلجأ الى الشعبوية لحاجات سياسية معروفة ويتفهّمون الوضع والدوافع وراء خطابه وتصرفاته، ما يخفّف من شدّة المآخذ عليه.

وفي أي حال، يؤكّد هؤلاء أنّ ما يجري بين الحزب والتيار لا تأثير له على العلاقة مع العهد، فحزب الله يميّز تماما بين الجهتين، والاتصالات شبه يومية بين رئيس الجمهورية ومسؤولي الحزب، أكانت هاتفية أم شخصية. ولكن ذلك لا يمنع من أن تُطرح أسئلة مرارا وتكرارا في أوساط حزب الله كما في الأوساط السياسية الأخرى حول ترك عون هذه المساحة الواسعة في النقاشات والعمل والقرارات السياسية للوزير باسيل، كما كان واضحا في اجتماع بعبدا، حيث استغرب أعضاء "حزب الله" السكوت غير المعتاد لعون وعدم مشاركته في الحديث كما كان متوقعا، بل اكتفائه بتقديم بعض الملاحظات دعما لنظريات باسيل، الى درجة أنّ أحد المشاركين في الاجتماع شبّه صمت الرئيس بجمود "أبو الهول".

وفي أيّ حال، يبدو أن لا نيّة لدى أحد، وخصوصا لدى عون أو حزب الله، في الانجرار الى منزلقات خطيرة تلبية لحاجات مرحلية سياسية ضيّقة. لذا غالبا ما تبقى الانتقادات والتناقضات مبهمة أو غير مباشرة وتحت السيطرة، ويحاول المعنيّون تقديم الشكليات على المضمون لتنفيس الاحتقان، كما كان الحال مثلا في استقبال عون لوفد حزب الله في منزله في بعبدا وليس في مكتبه، تأكيدا منه على العلاقة الودّية مع الحزب، ولو أنّ حصيلة الزيارة كان "سيّئاً" بحسب ما نقل عن أحد المشاركين فيه. كذلك، فانتقاد "حزب الله" لباسيل قد اتّخذ هو أيضاً منحىً غير مباشر، فالكلام الهجومي على وزير العهد بقي محصورا بالاعلام المقرّب من حارة حريك والذي من المعروف أنّ انتقاده اللاذع أحيانا لباسيل يتطلّب "رفع غطاء" من قبل حزب الله، إنّما لا معركة كلام "بالمباشر" من قبل الحزب تفاديا لسلك مسار لا عودة عنه.

واذ من المتوقّع أن يبقى الوضع على حاله الى حين تخطّي موضوع الانتخابات النيابية، الّا أنّ الجهود لتفادي الأزمة الكبيرة قد تُنسف بلحظة غير محسوبة أو بنكسة غير متوقّعة، وهذا ما على الطرفين أخذه بعين الاعتبار، تفاديا لأزمة سياسية طائفية ولتكرار أخطاء الماضي القريب والبعيد، واحتراما لما تبقّى من شعب هجّر واضطهد تحت شعارات خاطئة ان لم تكن كاذبة، وإيماناً بأنّ البلاد لا تحكم ولا تدار بعزل أحد أو ب"الاستقواء" على الغير، مهما كان حجمه ونفوذه وانتماؤه السياسي والديني والعقائدي.