عبّاس بين خيارات واشنطن وموسكو: الدخيل أم الأصيل؟

يبدو أنّ الأيّام الثمانية التي يُفترض أن تفصل ما بين زيارة الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس لواشنطن في الثالث من شهر أيّار المقبل وما بين زيارته لموسكو في الحادي عشر من الشهر نفسه سيكون لها بالغ الأثر في تحديد مسار إبرة بوصلة الأزمة الشرق أوسطيّة وطبيعة المقترحات المطروحة لفضّها في المستقبل القريب، ولا سيّما بعدما بات في حكم المؤكَّد أنّ التجاذبات الأميركيّة – الروسيّة الراهنة حول هذا الموضوع عادت مجدَّدًا إلى سابق عهدها، وبشكلٍ تنافسيٍّ جليٍّ وواضحٍ أكثر من أيّ وقتٍ مضى، الأمر الذي أفضى حتّى الآن إلى ظهور رؤيتين مختلفتين بخصوص الآليّات الواجب استخدامها لتحقيق التسوية المرتقبة، إحداهما "غير جدّيَّةٍ" وتقوم على ما وصفه الرئيس دونالد ترامب مؤخَّرًا بـ "الصفقة الكبرى" التي يرى الفلسطينيّون أنّها لا تزال "مجهولة المعالم"، بحسب ما صرّحت به عضو اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة حنان عشراوي نهار الأحد الماضي، بينما تقوم الأخرى على "أسسٍ واقعيَّةٍ" لطالما سعى الرئيس فلاديمير بوتين إلى ترسيخها منذ لقائه الأوّل في قصر الكرملين عام 2000 بالرئيس الراحل ياسر عرفات، وهي الأسس المبنيَّة أصلًا على مرجعيّة مؤتمر مدريد للسلام الذي عُقِد في مطع تسعينيّات القرن الماضي، والتي كانت قد حَظِيت لاحقًا بإجماعٍ عربيٍّ غيرِ مسبوقٍ إثر الإعلان عن مبادرة العاهل السعوديّ الراحل عبد الله بن عبد العزيز، عندما كان وليًّا للعهد، لدى انعقاد قمّة جامعة الدول العربيّة في بيروت عام 2002.

على هذا الأساس، من المقرَّر أن يصل إلى العاصمة الأميركيّة نهار الأحد المقبل وفدٌ فلسطينيٌّ برئاسة مسؤول ملفّ مفاوضات السلام صائب عريقات، بغية الترتيب لزيارة الرئيس عبّاس مع أعضاء اللجنة الخاصّة التي شكّلها الرئيس ترامب للإشراف على عمليّة السلام، وعلى رأسهم صهره وكبير مساعديه جيريد كوشنير، وموفده الخاصّ إلى الشرق الأوسط جيسون غرينبلات، وعددٌ آخر من مسؤولي إدارته، وذلك بعدما كان المتحدّث باسم البيت الأبيض شون سبايسر قد أعلن أنّ هدف اللقاء بين الرئيسين الأميركيّ والفلسطينيّ يتمثّل في التأكيد على التزام الولايات المتّحدة والسلطة الوطنيّة بـ "دفع عمليّة السلام في الشرق الأوسط والتوصّل إلى تسويةٍ تنهي الصراع بين الفلسطينيّين وإسرائيل"، على حدّ تعبيره.

هواجس فلسطينيّة

ولكن إلى أيّ مدى يا ترى يمكن القول إنّ الرئيس عبّاس سيتجاوب حقًّا مع شروط "الصفقة الكبرى" التي تنتظره في واشنطن يوم الثالث من أيّار المقبل؟

لا شكّ في أنّ فحوى تصريحات السيّدة حنان عشراوي المشار إليها أعلاه تكفي للدلالة على عدم وجود ثقةٍ فلسطينيّةٍ بالطرح الأميركيّ المرتقَب، ولا سيّما أنّها تضمّنت أيضًا إشارةً مباشِرةً إلى أنّ تناقض وتضارب آراء المسؤولين الأميركيّين حيال ملفّ عمليّة السلام يوحيان بأنّ هذا الملفّ لا يزال قيد الدراسة في أوساط إدارة الرئيس ترامب، الأمر الذي من شأنه أن يعزِّز الاعتقاد القائل بأنّ زيارة الرئيس عبّاس لواشنطن ستكون استطلاعيّةً بحتةً، وأنّ نتائجها ستخضَع للدراسة والتحليل لدى زيارته التالية لموسكو يوم الحادي عشر من أيّار لكي يُصار إلى البناء على الشيء مقتضاه.

براغماتيّة روسيّة

في هذا السياق، كان لافتًا ما أعلنه الخبير الاستراتيجيّ والديبلوماسيّ الروسيّ السابق فيتشلاف ماتوزوف في اتّصالٍ هاتفيٍّ اليوم الخميس مع "لبنان 24"، وخصوصًا عندما أكّد على أنّ ثوابت العلاقات الروسيّة – الفلسطينيّة عصيّةٌ على الاختراق، سواءٌ أميركيًّا أم أوروبيًّا، وذلك على خلفيّة إيمان الطرفين بأنّ لا تسويةً شاملةً ونهائيّةً وعادلةً يمكن التوصّل إليها للصراع العربيّ – الإسرائيليّ إلّا إذا تمّت برعاية اللجنة الرباعيّة المعنيّة بملفّ السلام، أي الولايات المتّحدة وروسيا والاتّحاد الأوروبيّ والأمم المتّحدة، وفقًا لمرجعيّة مدريد، وبما يتناسق مع الإجماع المسجَّل حول مبادرة السلام العربيّة المعلَنة في قمّة بيروت عام 2002، والتي جدَّد العرب التزامهم بها خلال قمّة البحر الميّت في الأردن نهاية شهر آذار الفائت.

ولعلّ اللافت أكثر في حديث ماتوزوف يتمثّل في تأكيده على أنّ الإدارة الروسيّة، وإنْ كانت قد لاحظت في الآونة الأخيرة تراجُع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو عن تفاهماته الأخيرة معها بشأن الملفّ الشرق أوسطيّ، بما في ذلك تلك المتعلِّقة بإرهاصات الأزمة السوريّة، إلّا أنّ ذلك لم يحُلْ في نهاية المطاف دون مواصلتها المضيِّ قُدمًا في خططها الرامية إلى محاربة الإرهاب من جهةٍ، والحدِّ من مخاطر حدوث صداماتٍ عسكريّةٍ بين الدول الإقليميّة المتنازِعة بين بعضها البعض على المصالح السياسيّة والاقتصاديّة في المنطقة من جهةٍ أخرى، ولا سيّما أنّها تؤمن تمامًا بأنّ أيّ صداماتٍ من هذا النوع، سواءٌ كانت أبعادها إثنيّةً أم قوميّةً أم مذهبيّة، لن تصبّ في نهاية المطاف إلّا في مصلحة الإرهابيّين.

خيارات العرب

وإذا كان سيل الأمثلة على براعة روسيا ومرونتها في هذا المجال له أوّلٌ وليس له آخِر، بدءًا ممّا أنجزته على صعيد احتواء تداعيات الاشتباك السوريّ – الإسرائيليّ الذي كاد يصبح بمثابة شرٍّ لا بدّ منه نهاية الشهر الماضي، مرورًا بما بذلته من جهودٍ للحدّ من مخاطر اندلاع حربٍ جديدةٍ في جنوب لبنان في الآونة الأخيرة، ووصولًا إلى الدور الذي لعبته ولا تزال من أجل تخفيف نسبة الاحتقان في العلاقات السعوديّة – الإيرانيّة المتوارَث أبًا عن جَدّ، فإنّ مردّ

ذلك لا يعدو عن كونه مجرَّد رغبةٍ في التعبير عن حقيقةٍ مؤدّاها أنّ الحروب الهادفة لا تحتمل فتح جبهاتٍ تضليليّةٍ في خضمّها، إذا ما أراد المحارِبون بالفعل تسجيل انتصارهم على عدوِّهم المشترَك المتمثِّل بالإرهاب، وبالتالي، إذا ما أرادوا القبول بمنطق التاريخ الذي يقول بأنّ الحروب الهادفة لا بدّ من أن تؤدّي في المحصّلة النهائيّة إلى صناعة السلام.

من هنا، كان لافتًا أيضًا تأكيد ماتوزوف في حديثه مع "لبنان 24" على أنّ روسيا تعرف مسبقًا أنّه من الصعوبة بمكانٍ إخراج نتنياهو أو غيره من المسؤولين الإسرائيليّين من تحت العباءة الأميركيّة، وذلك لاعتباراتٍ عديدةٍ تتعلَّق بنمط العلاقات التقليديّة السائدة منذ سنواتٍ طويلةٍ جدًّا بين الجانبين، الأمر الذي دفعه على استبعاد إمكانيّة نجاح الجهود الديبلوماسيّة الروسيّة الهادفة إلى عقد لقاءٍ بين عبّاس ونتنياهو في موسكو الشهر المقبل، وخصوصًا بعدما أصبح في حكم المؤكَّد أنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ عاد ليضَع رهانه كاملًا على طاولة القمار الأميركيّة.

ولكن ماذا عن العرب؟

يُجيب ماتوزوف بأنّ النمط السائد في وتيرة العلاقات المتطوِّرة باضطرادٍ ما بين بلاده وما بين الدول العربيّة يبشِّر بالخير، وخصوصًا في ظلّ تكوُّنِ القناعاتِ الآخذةِ في الترسُّخ باضطرادٍ أيضًا عن أنّ روسيا أصبحت تشكِّل بالفعل صمّامَ أمانٍ لصراعات هذه المنطقة، وليست صاعقَ تفجيرٍ لها، حسب ما درجت عليه العادة في طريقة تعاطي الولايات المتّحدة مع تلك الصراعات، حتّى في ظلّ إداراتٍ أكثرَ اتّزانًا وأقلَّ بهلوانيّةً من الإدارة الحاليّة.. وأغلب الظنّ أنّ أكثر ما ينبغي فعله في أوساط العرب المراهنين حاليًّا على فاعليّة صواريخ الـ "توماهوك" وما بعد الـ "توماهوك"، وما بين الدخيل وما بين الأصيل، لا يعدو عن كونه مجرَّد إعادةِ نظرٍ في جدوى رهاناتهم.. والخير دائمًا من وراء القصد!