إضراب الكرامة مستمر: هل تخنق السلطة الأسرى؟

لا شيء قد يكون أثقل من مرور يوم (إضراب) جديد على الأسرى، لكنه بالنسبة إليهم يوم آخر في معركتهم الطويلة لتحقيق مطالبهم. وفيما يصرّ الاحتلال على تعنته، ويستفز مستوطنوه بطون الأسرى بحفلات الشواء قرب السجون، يواصل الفلسطينيون تحركاتهم الداعمة، وسط ضغوط أميركية على السلطة لإيقاف رواتب الأسرى... فهل تخضع الأخيرة؟

متسارعاً، يمضي الوقت في عدّاد البشر خارج القضبان. يوم إضافي من العمل (والرتابة) ثم قضاء الفراغ في مقاهٍ وعلى نواصي الشوارع، أو متابعة الأخبار العاجلة لمن اعتاد لملمة جراح الحروب من حوله، ودخانها المتصاعد - الهارب منّا جميعاً. لكن، ماذا عن بشر ما خلف القضبان؟ الأسرى.

أكثر من 1500 من هؤلاء ــ حتى أمس ــ يدخلون في يومهم الخامس من الجوع والإضراب، معزولين عن العالم الخارجي، فلا فضائيات هناك تبثّ لهم أخبار المتضامنين معهم، ولا عدسات تنقل لهم دموع أمهاتهم اللواتي انضم بعضهن إلى الإضراب.

في هذا اليوم، تنخفض القدرة على الوقوف تدريجاً، وينتشر الخدر في السيقان... والوهن، والدوار، والإعياء، والرغبة في التقيؤ... كلها تشتد على جسد الأسير.

على الجهة الأخرى، تتصاعد حدّة تصريحات صنّاع القرار الإسرائيلي، ومنها دعوة وزير الأمن، أفيغدور ليبرمان، إلى «ترك الأسرى الفلسطينيين يموتون جوعاً»، اقتداءً بما فعلته رئيسة الحكومة البريطانية السابقة، مارغريت تاتشر، مع الأسرى الأيرلنديين.

إلى جوقة ليبرمان، انضم المستوطنون من أعضاء حزب «الاتحاد الوطني» الإسرائيلي، فأقاموا أمس «حفلات لشواء اللحم» بالقرب من موقع سجن «عوفر»، وذلك بهدف استفزار الأسرى المضربين، ما أدى إلى وقوع اشتباكات بين شبان فلسطينيين تظاهروا قرب المعتقل، وجنود الاحتلال والشرطة الذين تناوبوا على حراسة المستوطنين.

رغم ذلك، استمرت التحركات الشعبية والتظاهرات وإقامة خيم التضامن، التي كانت قد انطلقت في عدد من القرى والبلدات. وسيشهد الجليل الأسفل، اليوم، تظاهرة شعبية في مدينة عرابة، استجابة لدعوات وجهتها «لجنة المتابعة العربية» في الأراضي المحتلة عام 1948، للدخول في إضراب تضامني رمزي مع الأسرى، ومسيرة تنتهي بمهرجان احتفائي بعميدة الأسيرات الفلسطينيات، المحررة أخيراً، لينا الجربوني.

الأوضاع قد تتفاقم لو استمرّ تعنت إسرائيل أو استشهد أسير

وفيما يواصل العدو اختصار معركة الأسرى بأنها «معركة خلافات داخلية في الساحة الفلسطينية»، أكدت مصادر خاصة لـ«الأخبار» أن «رسائل الأسير مروان البرغوثي، الذي يقود الإضراب الحالي، ستصل بكل الطرق الممكنة إلى وسائل الإعلام»، وذلك رغم عزل العدو له في الزنازين عن العالم الخارجي، إذ أعدّ الأخير مسبقاً خطابات ورسائل ليوجه بها الدعم الشعبي مع الإضراب.

أمّا عن المعلومات حول إبلاغ الاحتلال منظمة «الصليب الاحمر» الدولي بـ«إيقاف زيارات الأهالي للأسرى»، فقد نفى ذلك وزير شؤون الأسرى والمحررين، عيسى قراقع، الذي أوضح لـ«الأخبار»، أن «الصليب الأحمر لم يصدر بعد أي بيان رسمي في هذا الشأن». ورغم ذلك، أطلق مجهولون النار، صباح أمس، على مقر المنظمة الدولية في مدينة الخليل، جنوبي الضفة.

ولدى سؤاله عن إمكانية وقف السلطة دفع رواتب الأسرى ومخصصاتهم، قال قراقع إن «الإدارة الأميركية تمارس ضغوطاً قبيل اللقاء المرتقب بين (رئيس الولايات المتحدة، دونالد) ترامب، و(رئيس السلطة محمود عباس) أبو مازن، الشهر المقبل»، لافتاً إلى أنها «تضغط فعلاً باتجاه إيقاف الرواتب، لكن السلطة سترفض ذلك، وستبقى متمسكة بموقفها الداعم للأسرى».

في السياق، رأى الوزير الفلسطيني أن «لا أحد يمكنه التنبؤ بالمدة التي سيستمر فيها الإضراب، فالأخير مرهون بالتصعيد والدعم الشعبي، والضغط الدولي»، مؤكداً «استمرار الاتصالات مع مصر ودول عربية، والاتحاد الأوروبي... للضغط على سلطات الاحتلال». ورأى قراقع أن «الأوضاع قد تتطور وتخرج عن السيطرة، إذا استمر التعنت الإسرائيلي، أو استشهد أحد الأسرى جوعاً»، لأن حدثاً كهذا «من شأنه إشعال الانتفاضة نتيجة الغضب الشعبي».

وبينما دعا وزير الخارجية الإسرائيلي، مايكل أورن، أمس، العالم إلى الاعتراف بهضبة الجولان السوري المحتلة «كجزء من إسرائيل»، مشيراً إلى أن «هناك دولاً عربية سعيدة بوجودنا (إسرائيل) في الهضبة»، قالت نهال المقت، وهي شقيقة الأسير السوري صدقي المقت، الذي أسس أول تنظيم للكفاح المسلح في المرتفعات السورية المحتلة، إن «صدقي بصفته أسيراً عربياً سورياً هو جزء من الحركة الأسيرة المناضلة في سجون العدو الصهيوني».

وأضافت المقت في اتصال هاتفي مع «الأخبار»، أنه «رغم عقد أكثر من خمسين جلسة لمحاكمة صدقي، التي لم تنته حتى الآن، أصرّ الأخير على خوض الإضراب منذ اليوم الأول... الذي تزامن مع يوم جلاء المستعمر الفرنسي عن سوريا، وأيضاً مع يوم ولادته».

والمقت، المعروف بلقب «جنرال الصبر»، هو ابن قرية مجدل شمس السورية المحتلة، وكان قد أنهى 27 عاماً من الأسر وقضى محكوميته «من الجلدة إلى الجلدة» بعدما دفع ورفاقه الخمسة حريتهم ثمناً لمقاومتهم الاحتلال، خاصة بعد قصفهم عدّة مواقع عسكرية منها موقع «بير الحديد»، الواقع قرب بلدة بقعاتا، الذي استخدمه العدو لضرب قرى لبنانية حدودية.

وبعدما شُطب اسم المقت أربع مرات من صفقات التبادل، تحرر عام 2012 بطريقة استثنائية، ليُعاد اعتقاله مجدداً عام 2015، بعد عودته إلى مقارعة الاحتلال، وهو يُتهم بتوثيق صور وفيديوات تثبت تورط إسرائيل في الحرب القائمة على سوريا، خاصة إدخالها مقاتلين من المجموعات الإرهابية إلى الجولان.

في سياق الإضراب، أكدت شقيقة المقت، وهي ناشطة سياسية، أن «معنويات أخيها وباقي الأسرى مرتفعة، وأنهم لن ينكسروا أمام الاحتلال». ورأت أنه «مع أن الحرب جارية في بلدها الأم، فإن مقاومة الأسير المقت ورفاقه ضد الاحتلال دليل على أن فلسطين تبقى البوصلة الجامعة دائماً». ودعت «القيادة الفلسطينية الرسمية إلى توحيد صفوفها في هذه المرحلة بالذات»، لأنه «لا يجب الاعتماد على المنظمات الدولية وما يسمى منظمات حقوق الانسان، بل الانتفاض في الشارع هو الحل الوحيد لمناصرة الأسرى».