وتبقى المازة اللبنانية سيدة الموائد...صحيًا

"ليش في أحلى من لبنان؟"! بسهوله، بجباله، بأرزه...وبمطبخه؟! إنه حتماً بلدٌ فريد من نوعه في مختلف المجالات، وهو ما ينسحب أيضاً على مائدة سكانه التي تمتاز بتعدد أطباقها وتنوّعها من حيث النكهات والمكوّنات. "المازة اللبنانية" ميزة لا يُفرّط بها اللبنانيون أبداً، حتى لو كانوا في غربة أقاصي الأرض، وهي حاضرة في يومياتهم وأسلوب حياتهم بشكل غير منقطع. فمن منا لا يجلس إلى مائدة ملوّنة، "مزركشة"، غنيّة، أقلّه مرة في الأسبوع؟!

وبسبب تعددّ الأصناف وتنّوعها، يخشى كثيرون، وبخاصة الذين يتبعون حمية غذائية أو يواظبون على اتباع نظام غذائي صحيّ، من تأثيرات سلبية محتملة قد تلحق بهم متى وجدت هذه "السفرة" أمامهم. فهل أنّ مخاوفهم في محلّها؟ وكيف يمكن للأشخاص الذين يعملون على إنقاص أوزانهم أو الراغبين بعدم إضافة أي كيلوغرامات، من الاستمتاع بها دون الشعور بالحرمان؟

راشيل قسطنطين، اختصاصية التغذية، تصف المازة اللبنانية بأنها من أفضل الحميات الغذائية (التي تندرج ضمن حميات البحر المتوسط) لاحتوائها على الخضار والحبوب وزيت الزيتون، وهي مواد غذائية ذات فوائد عالية، بالإضافة إلى كونها متنوّعة النكهات ما يرضي كلّ الأذواق. وليس غريباً بالتالي أنها باتت تحظى بشعبية عالمية بحيث ما انفكّت المطابخ العالمية تُدخلها إلى موائدها!

وفي حديثها لموقع "لبنان24"، تُفنّد قسطنطين خصائص أبرز الأطباق التي دائماً ما تتواجد على مائدة اللبنانيين ضمن ما يُسمّى بـ "المازة".

البداية طبعاً مع طبقي التبولة والفتوش، وهما "ركيزتان أساسيتان" في المازة اللبنانية. بحسب قسطنطين، فإن كلاهما يتكّونان من الخضار الغنيّة بالمعادن والفيتامينات ومضادات الاكسدة. ويعدّ البقدونس الذي يدخل في الطبقين (في التبولة بشكل رئيسيّ) من أهمّ النباتات وأكثرها إفادة لاحتوائه على الفيتامين C وB و kو"بيتا كاروتين" الذي يتحوّل إلى فيتامين A والكالسيوم (لذلك فإنه البديل الأنسب لمن لا يتناولون الأجبان ومشتقات الحليب) والحديد والألياف، وهو بالتالي يعزز حركة الأمعاء، يساهم في تنظيف الكلى، يمنع التهابات المسالك البولية، يجدد الخلايا، يفتح الشهية...

وتلفت قسطنطين إلى انه بمجرد إضافة كميّة ملحوظة من الحامض، فهذا يساعد الجسم على امتصاص الحديد بشكل أكبر.

أما البندورة التي تدخل بدورها في السلطتين، فهي أيضاً غنيّة بمضادات الأكسدة والألياف والمعادن كالمغنيسيوم و الكاروتينويد، وهي تساهم في الوقاية من أمراض القلب وتصلّب الشرايين، إضافة إلى دورها الكبير في محاربة السرطان وتحديداً سرطان البروستات، إذ أثبتت الدراسات أن تناول 6 ملغ من البندورة (ما يعادل حبتين) يخفّض خطر الإصابة بالبروستات بنسبة 20%. ليس هذا وحسب، بل إنها على عكس ما يشاع، لا تسبب أو ترفع اليوريك أسيد في الجسم، لذلك يمكن استهلاكها من دون خوف.

هذان الطبقان إذاً صحيّان ويمكن استهلاكهما بكثرة شرط أن تكون نسبة الزيت المضاف إليهما قليلة. تشرح قسطنطين: "نحن نعلم أن زيت الزيتون له فوائد عديدة اذ يحارب ارتفاع ضغط الدم ويخفض من مستوى الكوليسترول ويفيد الشعر والبشرة ويقي من السرطان وأمراض القلب، إلا أن الاكثار منه سوف يضاعف من كمية السعرات الحرارية (كلّ ملعقة صغيرة تحتوي على 45 سعرة حرارية)، ويجب ألا ننسى أنه يضاف إلى أطباق أخرى ضمن "المازة". وفي النهاية، فإن تناوله بكميات كبيرة جداً قد يؤدي الى رفع التريغليسيريد.

أما الطبق الشهير الآخر الذي تضمّه قائمة المأكولات اللبنانية فهو الحمص بالطحينة، ومصدره حبوب الحمص الغنيّة بالبروتينات والألياف والفيتامينات والحديد والزينك والمغنيزيوم، وهو مفيد لعملية الهضم ويخفّض الكولسترول السيء. لكنّ كلّ كوب من الحمص يوّفر 15 غراماً من الألياف، وهي نسبة 60% من احتياجات الفرد اليومية. بدوره، يبدو الباذنجان المتبل خياراً أنسب بالنسبة إلى متبعي حمية غذائية لعدم احتوائه على سعرات حرارية كثيرة، بل انه بفضل مادة الـ Saponin يحارب امتصاص الدهون ويمنع تكوّن السيلوليت.

وتذكر قسطنطين بأن هذين الطبقين يحتويان على "الطحينة"، ومصدرها السمسم، وهي تحوي دهونا مشبعة وغير مشبعة (الجزء الأكبر)، لذلك من المفضل تناولها باعتدال بهدف الاستفادة من خصائصها الغذائية ودروها في حماية الكبد، علماً أنّ كل ملعقة صغيرة منها تمدّنا بـ 30 سعرة حرارية.

الشنكليش المكّون من الأجبان أو اللبنة يحتوي على الكثير من البروبايتكس التي تحفّز عمل الخلايا في الجهاز الهضمي وتنظمه، علماً بأن كلّ 30 غراماً منه يحتوي على 65 الى 70 سعرة حرارية. وعلينا أن نتذكر أن إضافة زيت الزيتون إلى الشنكليش سوف يرفع من فوائده الغذائية.. ونسبة السعرات الحرارية بطبيعة الحال.

أما ورق العنب فهو مفيد جداً لاحتوائه على كمية عالية من الألياف والحديد والفيتامين ومن المعروف بأنه مفيد لأمراض الكبد والروماتيزم والسرطان والقلب، لكنّ حشوته المكّوّنة من الأرزّ تمدنا بالنشويات، لذلك ينصح مرضى السكري والأشخاص الذين يتبعون "دايت" بتناولها بكميات صغيرة.

وتدعو قسطنطين إلى تجنّب المعجنات (سمبوسك، رقاقات، كبّة) بخاصة اذا كانت مقليّة لأنها عالية بالسعرات الحرارية والدهون السيئة. ويفضل تناولها باعتدال مشوية. أما البطاطا، فهي أيضاً غير محببة إلى قلوب اختصاصيي التغذية لأنها مضرّة بالحصة وتؤدي الى ارتفاع الكوليسترول و التريغليسيريد، فيجب الامتناع عن تناولها.( 10 الى 12 شرحة بطاطا تحتوي عل 130 سعرة حرارية).

ماذا عن قصبة الدجاج؟ تقول قسطنطين:" إنها غنيّة بالحديد والبروتينات ومفيدة جداً للذين يعانون من فقر الدم، لكنها تحتوي على مادة الكولسترول أيضاً لذلك فليتجنبها من يعاني من ارتفاع اليوريك اسيد والكوليسترول والتريغليسيريد، وليستهلكها الآخرون باعتدال.

بالنسبة إلى المقانق والسجق، فلا يبدو أن قسطنطين من المحبذين لتناولها لاحتوائها على الدهون بكثرة، علماً انّ هذه الأصناف على غرار "الهوت دوغ" أدرجت ضمن المواد المسرطنة، بحسب مؤسسات عالمية.

ومن العناصر غير المهمّة في المازة اللبنانية بحسب قسطنطين، تندرج اللحوم النيئة لأنها غنيّة بالدهون والكوليسترول، بل هي موطن لبكتيريا تؤدي إلى تسمم غذائي حتى لو كان مصدرها موثوقاً.

المخللات على عكس ما نعتقد غير عالية السعرات الحرارية، لكنها مشبعة بالملح الذي يساهم في احتباس المياه في الجسم. يمكن للأشخاص الذين لا يعانون من الضغط المرتفع والقرحة تناولها باعتدال، علماً أنّ المكدوس غنيّ بالسعرات الحرارية لأنه بالزيت.

بعد هذا الاستعراض لخصائص أبرز الأطباق، بات مفهوماً أن استهلاك المازة من دون خبز هو خيار صائب، لأن النشويات موجودة في أصناف أخرى (الحمص، المعجنات، الورق عريش...)

وعليه، تنصح قسطنطين متبعي الحميات الغذائية بملء نصف الصحن بالخضار (تبولة او فتوش)، وعدم اعتماد أطباق المازة كوجبة أساسية اذا ما كان هنالك من طبق رئيسي، أي المشاوي التي يمكن استهلاكها باعتدال لا سيّما وانها مشوية.

ورداً على سؤال عما اذا كان "التعجيق" في الأكل هو أمر صحيّ، تقول قسطنطين:" إن تنوّع الأطعمة مفيد شرط ألا يتمّ بطريقة عشوائية ومبالغ بها".

ماذا عن الإضافات الأخرى، ومنها "البزورات"، المشروبات الغازية أو الكحولية؟ طبعاً يُنصح بشدّة بالابتعاد عن المشروبات الغازية، العادية و"اللايت" على حدّ سواء، فالأولى غنيّة بالسكر (كل تنكة صغيرة فيها 10 ملاعق سكر)، أما الثانية فعلى رغم شبه خلّوها من "الكالوريز"، إلا انّ مادة الأسبارتام التي فيها تسبب الألزهامير والسرطان. أما بالنسبة إلى الكحول، فيستحسن شرب كأس واحدة، والأولوية للنبيذ الأحمر الغنيّ بمضادات الأكسدة. "البزورات" بدورها غنيّة بالدهون والسعرات الحرارية (رغم الفوائد الغذائية في بعضها مثل اللوز)، لذلك من الأفضل تجنبها لأنها بمثابة سعرات حرارية فارغة يمكن الاستغناء عنها!

وهل من المحبّذ تناول الفواكه بعد الوجبة مباشرة؟ تقول قسطنطين:"يُفضل أن تكون بين الوجبات كـ "سناك"، لكن اذا كان هذا الأمر من عاداتنا، فلا بأس اذا حصل مرّة، شرط عدم تخطي حصتين من الفواكه (تفاحة، حبة كيوي، 4 حبات مشمش..)، ولنتذكر أن كوب العصير الطازج يساوي حصتين من الفواكه، والأفضل استبداله بالفواكه للإفادة من الألياف أيضاً. ومن المهم جداً تجنّب الحلويات العربية، بحسب اختصاصية التغذية.

في النهاية، تدعو قسطنطين إلى عدم تخطي أي وجبة أساسية أو "سناك" في اليوم في حال تناولنا "المازة"، لكن من المفضل أن تكون الوجبات الأخرى خفيفة وتعتمد على الخضار. في الخلاصة، يمكن استهلاك "المازة" بطريقة صحيّة جداً وتناسب الحمية الغذائية اذا ما أحسنا الاختيار، أما في حال العشوائية فلنتذكر أن السعرات الحرارية التي سوف نكتسبها هي مضاعفة مقارنة مع طبق عاديّ من الطعام، وقد تصل الى 600 -700 سعرة حرارية!

ما هو شكل الطبق الأمثل اذاً؟ (بخاصة لمن يخضع لحمية غذائية)

الحيّز الأكبر للفتوش أو التبولة (مع زيت خفيف)، ملعقة حمص، ملعقة باذنجان متبل، ملعقة شنكليش، وحصة معتدلة من المشاوي. لا بأس بتذوّق قطعة قصبة دجاج، أو حبة ورق عريش!