الحرص على حقوق المسيحيين.. وأشياء أخرى

في الطريق إلى انتاج قانون انتخابي عادل وعصري ومتوازن، يحقق صحة التمثيل وعدالة المشاركة، وهو طموح كثيرين جداً من اللبنانيين التواقين إلى رحاب المواطنة وقد عافت نفوسهم منطق الفرز وحسابات القسمة، تتوالى دون كلل طروحات وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل حول صيغ وأفكار انتخابية تقوم على مقولة الحفاظ على حقوق المسيحيين، وهي العبارة التي لا ينفك يكررها عند كل استحقاق ومنعطف، ويشاركه فيها آخرون يرون في هذا المنطق مدخلاً لكسب الشرعية والشعبية.

والواقع أن هناك خوف مسيحي ليس في لبنان فحسب، بل في العالم العربي لكن مرجعه ليس بسبب قوانين الانتخاب أو أهوال الارهاب، بمقدار ما هو أحد تداعيات غياب مفهوم المواطنة الجامعة والمتساوية في الحقوق والواجبات، والتي بسبب اختلالها أفرزت اجحافات أفرزت ظواهر تناقض مسلمات العيش التاريخي الواحد والمشترك منذ مئات السنين، كتحالف الأقليات وامتيارات الطوائف والجماعات وحمايات أمراء الحروب بديلاً عن الدولة العادلة الراعية. لكن غياب مفهوم المواطنة لا يقابل بالإمعان في سلخ المكونات الاجتماعية عن بعضها بل بالمزيد من النضال للوصول إلى الدولة المدنية الانسانية.

إن شرود مكون وطني أو أكثر للانعزال عن الآخرين تحت شعار نسب التمثيل في الحكم، هو، إلى كونه إمعانٌ في تجريد المواطن من حقه بأن يكون لبنانياً أولاً، إبعادٌ للبلد عن التقدم باتجاه الدولة المدنية وتأبيد أسره في دوامة الطائفية. تعبت الناس من معزوفة الهويات الدينية القاتلة، وليس المناداة بحقوق المواطنة، ومن اللعب على العصبيات وترك التمسك بالمكتسبات المستحقة.

أكثر من ذلك، إن كلام وزير الخارجية لا يمثّل كثيراً من المسيحيين، نخباً وأصحاب رأي وفكر وعاملين في الشأن العام والخاص، الذين يرون في تكرا ر لازمة حقوق المسيحيين، وللمصادفة، عند كل حفلة تقسيم مغانم، مغالطات تكاد تكون قاتلة، للمسيحيين قبل غيرهم.

فهذا المنطق، أولاً، يصوّر المسيحيين وكأنهم مهزومون ويحتاجون من يستنقذهم، فيما الواقع أنهم شركاء أساسيون في الشأن الوطني والسياسي والاداري والتمثيلي والتنفيذي، وهم قادرون على تصويب أي خلل إن حصل، من خلال منطق الشراكة الحقيقية والحوار مع الجميع، والاسهام في انتاج قانون انتخابي عادل ومتوازن للجميع.

ثانياً، إن القول بأن قانوناً انتخابياً على أساس طائفي هو من يمنح المسيحيين حقوقاً غائبة، خطأ موصوف، ليس بسبب جغرافيا التداخل والتفاعل، لأن في ذلك فتح لباب يمكن أن يرده آخرون، وكما تنبري أصوات مسيحية تطالب بحقوق تعتبر أنها مسلوبة، يمكن أن تنطلق أصوات مقابلة تطالب بالمساواة والعدالة في المكتسبات التي ترى أنها غير متوازنة في الوظائف الاولى أو المراكز الحساسة وغيرها.. وهي وجهة نظر محقة!

ثالثاً، ثمة انطباع عميق بأن التركيبة السياسية القائمة لا تنزعج من أن يكلف طرف طائفي في البلد نفسه مهمة تسويق العصبيات المذهبية من خلال اللعب على مشاعر الجماهير، ذلك أنه يبرر لها من حيث يدري أو لا يدري استمرار أسر الوطن في سجن الطوائفية، وتغطية الخروج على الدستور وكسر العرف وتغطية الفساد باسم حقوق الطوائف، هنا يبرز إلى جانب الحرص على حقوق المسيحيين وحقوق المسلمين أشياء أخرى من كهرباء وانترنت وتلزيمات وصفقات وهدر وفساد ونفايات وغيرها.

أخيراً، من قال إن المسيحيين اللبنانيين يريدون حماية خارج منطق الدولة والشراكة في الوطن؟

إن عيشنا التاريخي الممتد لا يحتاج إلى قوانين انتخاب بمقدار ما يستدعي العودة إلى مسلمات المواطنة، فالكنائس تجاور المساجد منذ مئات السنين وأكثر، ولا يجوز الغاء هذا الإرث العظيم في حسابات انتخابية خاصة للبعض لا تمت إلى مصلحة المسيحيين والمسلمين بأي صلة، وكأن الحضور المسيحي، وحقوق المسيحيين تختصر بنائب. وقبل كل ذلك وبعده إن هذا المنطق يناقض بشكل صارخ مقولة "شعب لبنان العظيم".