يذهب الوزراء أو لا يذهبون: عن الاهتراء الذي لا يصلحه الصخب

على هامش أرجوزة يذهب الوزراء أو لا يذهبون، تتجمع في الصورة مشاهد عدة، على صلة بالأمر. فزيارة سوريا، وهذا ليس سراً، لا تعني دعوة ثلاثة وزراء لمعرض اقتصادي، بقدر ما هي تطبيع بعد قطيعة مع النظام السوري، بذريعة المصلحة الوطنية أو بمعنى أدق طلباً لمكاسب سياسية أو طمعاً بمصالح مرحلة إعادة الإعمار.

قبل فترة، تكرر الكلام عن وساطة مع النظام السوري بشأن إعادة اللاجئين، فباعتبار أنّ هؤلاء صاروا حواضن للإرهاب، ينبغي التعاون مع النظام من أجل إعادتهم إلى ديارهم. بعدها وفي ذروة السجال حول استئجار بواخر توليد الكهرباء من تركيا، أعلن وزير الطاقة عن عرضٍ سوريٍّ بإعطاء لبنان التيار الكهربائي بمقابل مالي أقل! نعم في سوريا إزدهار وفائض من الطاقة تريد بيعه للبنان غير المكتفي باستنارة سياسييه ويحتاج لإنارة من سوريا، قبل أن يذكّر رئيس مجلس النواب نبيه بري المتساجلين أن "كل حزب الله في سوريا"!

هناك من يقول إن ما يجري مرتبط بتحسن أوضاع النظام وتلمس إشارات تفيد ببقاء صيغة الحكم في سوريا حتى نهاية المرحلة الانتقالية في 2021، وإطلاق عملية إعادة الإعمار تستهوي كثيراً من اللبنانيين، تجاراً ورجال أعمال ومقاولين من السياسيين، ولذلك هم متحمسون لجسر الخلاف والانكاب على التحضير للمرحلة الموعودة. وسواء أكان ذلك حقيقة أم سراباً، لا بدّ من تأمل المشهد الإقليمي الملتهب حيث يسود المنطقة خراب وتهجير وأنقاض، وانقلاب الاستقرار المتوهم في لبنان لا يحتاج عناء أو ذرائع.

في لبنان فسادٌ، وسيادة منقوصة، وتقاسم لمناصب الدولة ومغانمها، وغياب لتحمل المسؤوليات؛ من أنين مزارعي أهالي عرسال، إلى الضرائب العشوائية لتمويل "السلسلة"، إلى فضائح الرشاوى في التوظيف وغيرها ملفات كثيرة وعديدة في الأملاك البحرية، والنفايات، والاتصالات والانترنت، ومخاوف الارهاب وهواجس الأقليات، وكل ذلك يدعو للتفكير بضرورة استنقاذ ما بقي من الدولة والدستور والعيش المشترك والسلام الوطني. وهذه أمورٌ أساسيةٌ لبقاء الوطن والدولة والنظام، ولا يجوز، أو لا يكفي، حصر الحديث وقسمة البلد حول مسألة مكافحة الارهاب، حقيقية كانت أم مفتعلة ومضخمة، فهي تحصيل حاصل ولزوم ما لا يلزم ومن واجبات أجهزة الدولة البدهية، أما اتخاذ كل ذلك غطاء لعمليات تقاسم المغانم الحاصلة للسكوت عن منطق الغلبة والسيطرة وتهميش الدولة فأمر مدان.

الصمت يوازي التهليل، والعجز يساوي الخضوع، إما أن تكون دولة ودستور وعقد اجتماعي متوازن، أو لا تكون بسيادة منقوصة، وغلبة مفروضة، ونهب منظم، وفتات يُرمى للمحاسيب والسماسرة. أمام محاولات الاستيلاء على ما بقي من الدولة والنظام لا ينفع الصبر أو انتظار تغير الظروف. ما يجري ليس استنزافاً للداخل فحسب، فلبنان مهدد فعلياً بعزلة اقتصادية ومالية، وبعقوبات أميركية، وفوق كل ذلك سيطرة أوهام تحالف الأقليات وثارة دعوات الكراهية، وهي مخاوف تستدعي سعياً من جميع المؤمنين بالوطن الذين لم تفتنهم نوازع الكراهية وغطرسة السيطرة، للإخراج من الإحباط والتردي، ومن الانقسامات والانعزال، والتلاقي تحت عناوين وطنية جامعة، فالفساد والسلاح والتطرف والانعزال، كل ذلك لا يصنع وطناً ولا دولة ولا مجتمعاً منتجاً. فالتطرف يستدعي تطرفاً، والعاقل من اتعظ من دروس غيره.