بشير الجميل باقٍ في الوجدان حلمًا لم يتحقّق

بالأمس، وبينما كنت أعزّي الشيخ بيار الضاهر بوفاة والدته التقيت بايزيس الضاهر، وهي كانت اليد اليمنى للرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميل، في أعماله المكتبية، يوم كان قائدا لـ"القوات اللبنانية"، وقبل أن يصبح رئيسا للجمهورية.

عادت بي الذكريات إلى الزمن الجميل، وكنت في بداياتي الصحافية، يوم كان الامل ببناء دولة متكاملة السيادة لا يزال برعمًا، على رغم مآسي الحرب وويلاتها، ويوم كان شبح الانقسام مخّيمًا على كل ارجاء الوطن، بفعل المواقف المتناقضة بين ضفتي الوطن والتباعد المفتعل بين ابناء الوطن، ونتيجة التدخلات الخارجية، التي لا تزال على حالها مع تغير المواقع والمحاور.

ومع أن المواقف من شخصية الشيخ بشير كانت متناقضة ومتباعدة إلاّ أنه كان بالنسبة إلى الجميع ، ومن دون استثناء، الامل الباقي بإمكانية بناء دولة، بكل ما تعني هذه الدولة من مقومات العيش المشترك الحقيقي، وإمكانية بناء دولة العدالة والقانون، في ظل سيادة القوى الشرعية وحدها دون سواها من قوى الأمر الواقع.

وأذكر يوم جمع، بعيد انتخابه رئيسًا للجمهورية، قيادات "القوات اللبنانية"، ومن بينهم النائب جورج عدوان والمحامي كريم بقرادوني، وكان كلامه واضحًا ومفاده أنه بعد 23 آب (1982) ليس كما قبله، وما كان جائزًا قبل هذا التاريخ لم يعد مقبولاً أو مسموحًا به. منطق الميليشيات أصبح وراءنا، وأمامنا اليوم مهمة صعبة وهي مهمة إعادة بناء وطن يتسع لجميع أبنائه، من شماله الى جنوبه، ومن سهله الى ساحله، مرورًا بجيله.

هذا هو الوطن الذي حلم ببنائه بشير الجميل، قائدًا ورئيسًا، وطنًا نظيفًا لا مكان فيه للسمسرات والتجارة الرخيصة، ولا مكان فيه أيضا للفساد والفاسدين، ولا مكان فيه أيضًا وأيضًا لمصالح خارجية تتجاوز مصالح الداخل، وهو الذي رفض منطق ما كان يُتهّم به، وكان شعاره الـ10452 كلم مربع، فحاول أن يده للجميع، مسلمين ومسيحيين، على رغم ما علق في أذهان البعض من مآسي الحرب، يوم لجأ الجميع إلى الخارج، ومن بينهم الأحزاب المسيحية، بحجّة أو بأخرى، لإحباط مقولة "طريق فلسطين تمرّ بجونيه".

في 14 ايلول من العام 1982 دوّى إنفجار في الأشرفية، وكان إستشهاد الرئيس الذي علّق عليه اللبنانيون، المؤيدون والمناهضون، الآمال العريضة ببناء دولة الأحلام.

استشهد الشيخ بشير وبقي الحلم الذي لم يتحقق مجرد حلم، والذي لا يزال اللبنانيون متعلقين به، وإن بدا للبعض أنه بعيد المنال وصعب التحقيق، مع ما شهدته الساحة اللبنانية منذ ذلك التاريخ من محاولات إحياء هذا الحلم، لكنها باءت جميعها بالفشل ولم يتمكنوا من تحقيق ولو جزء يسير مما حلموا به في يوم من الأيام.

وبعد 35 سنة، وكأنها كالأمس الذي عبر، لا يزال الحلم حلمًا، مع أن تحقيقه ليس بالأمر المستحيل، خصوصًا إذا قرر اللبنانيون، جميع اللبنانيين، أن لا خيار لهم سوى دولتهم، وأن الخارج، أيًّا يكن هذا الخارج لا يقيم وزنًا سوى لما يخدم غاياته، وإن أضطّر أحيانًا كثيرة إلى إستخدام اللبنانيين وقودًا لحروبه المتفرقة.

بشير الجميل باقٍ في الذاكرة والوجدان، على رغم ما تجّمع حول شخصيته من مواقف متناقضة ومثيرة للجدل، بين مؤيدين لمشروع الـ 10452 كلم مربع، وبين من كان معارضًا له ويعتبره رمزًا من رموز الحرب اللبنانية.

إلآّ أن رحيله كان خسارة للوطن الحلم، وهذا ما يعترف به الجميع، ولو ضمنًا، بإستثناء بعض الذين رأوا فيه مشروعًا لا ينسجم مع مشروعهم. ومن هنا كانت البداية التي لا نهاية لها.