كوشنر واستقالة الحريري!

في الثامن من شهر تشرين الأوّل عام 2005، وبينما كانت الأنباء الواردة من إسلام أباد تُفيد تِباعًا بأنّ عدد ضحايا الزلزال المدمِّر الذي ضرب باكستان تجاوز العشرينَ ألفَ قتيلٍ على أقلِّ تقديرٍ، ما يعني أنّه مرشَّحٌ للارتفاع، تلقَّت إدارة قناة "العربيّة" في مدينة دبي للإعلام اتّصالًا هاتفيًّا لافتًا من الرياض، تمّ خلاله نقل توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز بخصوص وجوب التحرُّك ميدانيًّا لمواكبة تداعيات تلك الكارثة الإنسانيّة الكبرى، الأمر الذي أدّى إلى اتّخاذِ قرارٍ فوريٍّ يقضي بالعمل على إعدادِ خطّةٍ عاجلةٍ للقيام ببثٍّ مباشِرٍ من كلٍّ من عاصمة الجزء الباكستانيّ في إقليم كشمير مظفّر أباد ومدينة بالاكوت المنكوبتيْن، يستغرق ثماني ساعاتٍ متواصِلةٍ على مرحلتين، إحداهما صباحيّةٌ والأخرى مسائيّةٌ، ويتمّ خلالهما فتح الهواء أمام الخيِّرين لتقديم تبرُّعاتهم عَبْر شاشات العربيّة وإم بي سي والتلفزيون السعوديّ، وهي الخطّة التي استوجَب تنفيذها القيام بإرسال فريقٍ مؤلَّفٍ من أكثر من أربعينَ شخصًا إلى مسرح الحدث، بينهم مراسلون ومصوِّرون ومخرجون وفنيّون، بكامل احتياجاتهم المهنيّة من متطلِّبات بناء استديو مجهَّزٍ بكافّة لوازم الإرسال والبثّ والربط عبْر الأقمار الصناعيّة والإضاءة والمونتاج ومولِّدات الكهرباء وغيرها، علاوةً على احتياجاتهم الحياتيّة من خِيَمٍ وملابسَ وموادَّ غذائيّةٍ تقيهم شرَّ البرد والجوع، وذلك كلّه في غضون ثمانٍ وأربعينَ ساعةً فقط، قبل أن يبدأ البثّ المباشِر بالفعل، وينجح الفريق، وأنا كنتُ في عِداده، في القيام بالتغطية الميدانيّة المطلوبة، وبالتالي، في المساهمة في جمع ما فاقت قيمته العشرينَ مليونِ دولارٍ من التبرُّعات لمساعدة الشعب الباكستانيّ المنكوب.

وإذا كان هناك من سببٍ دفعني إلى استحضار هذه القصّة اليوم، فإنّه يتعلَّق بالطبع بما تمّ الترويج له نهار أوّل من أمس الأحد عن أنّ "ضيق الوقت" حال دون تمكُّن الزميلة المتألِّقة باحترافيّتها المهنيّة العالية بولا يعقوبيان من اصطحاب فريقها التلفزيونيّ اللبنانيّ لإجراء مقابلتها التاريخيّة في الرياض مع رئيس الوزراء المستقيل الشيخ سعد الحريري، ما اضطرّها للاستعانة بفريقٍ تلفزيونيٍّ سعوديٍّ، الأمر الذي ساهم إلى حدٍّ بعيدٍ في إضفاء قدْرٍ كبيرٍ من الصدقيّة على الشائعات والتكهُّنات والشبهات التي ما زالت تحوم حول ظروف الاستقالة وملابساتها منذ يوم الرابع من شهر تشرين الثاني الحاليّ ولغاية يومنا الراهن، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الساعات الأربع والعشرين التي فصَلتْ ما بين تحديد موعد المقابلة وما بين توقيت إجرائها كانت كافيةً لتجهيزِ فريقٍ فنّيٍّ متكاملٍ، أقلُّه مصوِّران أو ثلاثةُ مصوِّرين وعددٌ من مهندسي الإضاءة والصوت، إذا ما تعذَّر بالفعل شحن جهاز الإرسال والربط عبْر الأقمار الصناعيّة، بحيث يُصار عندئذٍ إلى الاستعانة بشركةٍ سعوديّةٍ متخصِّصةٍ في هذا المجال.

هذا الكلام، وإنْ كان لا ينطوي على أيِّ نيّةٍ للتشكيك في صدقيّة التفسير الذي قدَّمته الزميلة يعقوبيان بهذا الخصوص، ولكنّ الغرض منه يتمثَّل في استعراض موضوع التحضير لهذه المقابلة التاريخيّة التي انتظرها اللبنانيّون بفارغ الصبر، من وجهةِ نظرٍ مهنيّةٍ لا أكثر ولا أقلّ.

أمّا بالنسبة إلى الشقّ السياسيّ من الموضوع، فإنّ أبرز ما كان لافتًا خلال الساعات القليلة الماضية تمثَّل في صدورِ تسريباتٍ غربيّةٍ غيرِ رسميّةٍ جدَّدت التأكيد على الدور الذي لعبه جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب وكبير مستشاريه، في وضع سيناريو استقالة الرئيس الحريري واعتقال الأمراء السعوديّين، وهي تسريبات تزامنت مع تنظيم الاستفتاء الأخير في كردستان، وذلك في سياقِ محاولةٍ استهدفَت وضعَ أسسٍ جديدةٍ لتوفير التوازن المطلوب في مواجهة حصول سوريا على منظومةِ شبكةِ الصواريخ الروسيّة من نوع "إس – ثلاثمئة" التي نجحَت، بحسب التسريبات، في ردعِ سربٍ من المقاتلات الإسرائيليّة أثناء محاولتها اختراق المجال الجوّيّ اللبنانيّ، ومن ثمّ في إسقاطِ مقاتلةٍ من نوع "إف – خمسة عشر" في حادثةٍ أخرى، الأمر الذي كان لا بدَّ له من أن يؤثِّر بشكلٍ سلبيٍّ على ما بات يُعرَف بـ "لقاء المصالح" بين الولايات المتّحدة الأميركيّة والمملكة العربيّة السعوديّة الذي يستهدف أوّلًا وأخيرًا الضغطَ على إيران وإضعافَ حلفائها في كلٍّ من العراق وسوريا ولبنان، بمن فيهم حزب الله بالطبع.

وإذا كانت التسريبات قد أعادت التذكير أيضًا بالإصرار غيرِ المبرَّر على اتّهام حزب الله بالضلوع في تحمُّل المسؤوليّة عن قيام الحوثيّين بإطلاق صاروخهم على مطار الملك خالد الدوليّ في الرياض، فإنّ الجديد هنا يتمثَّل في الغمز من قناة أنّ ربط هذه العمليّة باستقالة الرئيس الحريري، وعطفًا على ما تقدَّم ذكره عن اللقاءات التي أجراها جاريد كوشنر مع عددٍ من المسؤولين السعوديّين، سواءٌ في الرياض أم في غيرها من الأماكن، كان يستهدف بالدرجة الأولى خلق حالةٍ من الفوضى والبلبلة في الشارع اللبنانيّ، بما من شأنه أن يؤدّي في نهاية المطاف إلى إضعاف حزب الله، ومن ورائه إيران، الأمر الذي يعزِّز الاعتقاد بأنّ ما أُشيع لاحقًا عن أوجُه التشابه بين سيناريو استدعاء رئيس الوزراء سعد الحريري وسيناريو استدعاء الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس إلى الرياض هو في مكانه بكلِّ تأكيدٍ، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ إحدى أهمّ نقاط العتب التي سجَّلها السعوديّون على الرئيس عبّاس تمثَّلت في الإعراب عن انزعاجهم من الزيارة التي قام بها القياديّ في حركة المقاومة الإسلاميّة (حماس) صالح العاروري مؤخَّرًا لإيران، وهو العتب الذي سرعان ما تُرجِم في الصحف الفلسطينيّة الموالية للرئيس عبّاس، ومن بينها صحيفة "الحياة الجديدة" التي نشَرت ما مؤدّاه أنّ السلطة الوطنيّة تُعارِض تدخُّل إيران في شؤونها الداخليّة، كما أنّها لن تسمح بخلقِ نسخةٍ من حزب الله في أراضيها.

من هنا، يُصبح في الإمكان القول إنّ دول الإقليم بأسرها، وليس لبنان وحده، تمرّ حاليًّا في لحظةٍ تاريخيّةٍ بالغةِ الدقّةِ والصعوبةِ والتعقيد، تمامًا مثلما يُصبح في الإمكان القول أيضًا إنّ ما أنجزته الزميلة بولا يعقوبيان نهار أوّل من أمس الأحد هو حدثٌ تاريخيٌّ سيُخلَّد على صفحاتِ دفاترِ مهنةِ المتاعبِ من دون أدنى شكٍّ، بغضّ النظر عمّا إذا كانت المواقف التي عبَّر عنها الرئيس الحريري أثناء المقابلة قد أثلجَت صدور المتوجِّسين من ظروف وملابسات استقالته أم رفعَت من منسوب توجُّسهم... وحسبي أنّ النصف الملآن من الكأس هنا يتمثَّل في إصرار اللبنانيّين على التمسُّك بوحدتهم الداخليّة في مواجهة قطوع هذه الأزمة، علّ الرئيس الغائب يعود قريبًا لكي يتوِّج مع فخامةِ ودولةِ الرئيسين الحاضِرين ميشال عون ونبيه برّي هذا الإنجاز الوطنيّ التاريخيّ بامتيازٍ أيضًا... فهنا فقط ستنجلي الحقيقة كاملةً، وهنا ستُوضع كلّ النقاط على كلّ الحروف.