قراءة "إيجابية" في إعلان ترامب... هذه هي الفوضى "المحترمة"!

بعد التسليم بالخسارة المعنوية المُحققة من إعلان رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب إعتراف دولته بالقدس عاصمة لدولة الإحتلال الإسرائيلي، وتفهُم الغضب الشعبي العربي نظراً إلى إرتباط القدس كمدينة وقضية باللاوعي الجماعي في الوجدان الديني (الإسلامي – المسيحي)، القومي والثوري العام، يمكن الخوض في نقاش ميزان الربح والخسارة العملية لهذا الحدث.

لم يُحقق إعلان ترامب أي إنجاز أو مكسب عملي لتل أبيب، إذ إن مدينة القدس محتلة منذ العام 1967 وهي تخضع كلياً للإحتلال والإدارة الإسرائيلية، وفيها المقر الرسمي للحكومة الإسرائيلية وفيها تُعقد أهم الإجتماعات والقمم (بكسر القاف أو ضمها) في دولة الإحتلال، وتالياً فالإعتراف بها عاصمة لإسرائيل هو مكسب معنوي، وليس عملياً له علاقة بالسيطرة على أرض جديدة أو إحتلالها أو القضاء على تنظيم مقاوم أو إغتيال قائد عسكري هام.

في المقابل، دَفن إعلان ترامب بما لا يقبل الشكّ، الحلّ السياسي الفسلطيني – الإسرائيلي، فمن جهة سيستغل اليمين الإسرائيلي هذا الإعلان ليحقق غايته بدثر حلّ الدولتين، ومن جهة أخرى أحرج ترامب السلطة الفلسطينية على رأسها أبو مازن المراهِنة على الحلّ السياسي من خلال توجيه صفعة غير مسبوقة، لم تنهِ فقط الحلّ التفاوضي، بل عطّلت مسار أوسلو من جذوره، كون الولايات المتحدة، الوسيط الأوحد بين الطرفين، حسمت أهم قضية (القدس) لصالح إسرائيل.

أما الخسارة العربية من إعلان ترامب، فتنحصر بالجانب المعنوي، إلّا أن سقوط الحلّ السياسي سيفتح باباً حقيقياً لإيجابيات يمكن وصفها بالإستراتيجية. فالفراغ المُحقق بعد إندثار حلّ التفاوض سيُملأ حتماً بعودة الخطاب الداعي إلى المقاومة، إذ إن سقوط الرهان على السياسة سيقوي موقع القوى الفلسطينية والعربية التي تدعو إلى الحلّ العسكري، وإلى المقاومة وإستعادة كامل فلسطين.

لا نعرف كم سيدوم الغضب الشعبي العربي، ولا حتى ماذا سينتج عنه في فلسطين عموماً، لكن الأكيد أن القوى والفصائل المقاومة الراديكالية (حركة "حماس"، حركة "الجهاد"، "حزب الله" وإمتداده الإقليمي) أمام فرصة قد لا تتكرر في إحداث توازن إستراتيجي في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

كلمة سرّ هذا التوازن الإستراتيجي هي الضفة الغربية. ففي حال ترافق دفن الحلّ التفاوضي مع تحرك شعبي كبير في الضفة، أو ما يصطلح على تسميته "الفوضى المحترمة" فإن هذا الأمر سيخلق بيئة مؤاتية وحاضنة لعمل خلايا المقاومة المُكبلة بسبب الخناق الأمني، لأن الفوضى تضعف قبضة أجهزة السلطة وأيضاً سيطرة الإحتلال.

لماذا الضفة؟ سعى "حزب الله" منذ سنوات طويلة وبالتنسيق مع فصائل المقاومة الفلسطينية إلى تسليح الضفة، بإعتبارها مفتاح تحرير القدس المدينة، ولاحقاً كامل فلسطين، ولهذا شواهد تاريخية لا مجال لذكرها هنا، لكن الحزب وغيره من القوى "الراديكالية" الذين يراهنون على الحلّ العسكري للصراع مع إسرائيل يرون أن إحداث توازن إستراتيجي إنطلاقاً من الضفة الغربية يحتاج إلى إمكانات أقل بكثير من إحداث نفس التوازن من جنوب لبنان أو غزة، إذ إن تسليح الضفة (بموقعها الجغرافي) بسلاح "هاون - 60" سيؤدي إلى نتيجة تعادل قدرة صواريخ "فجر" أو "زلزال" من غزة أو لبنان (من ناحية توازن الردع وليس القدرة التدميرية)، وصواريخ "الكاتيوشا" (التي حاول "حزب الله" نقلها من الأردن إلى الضفة عبر مجموعة تابعة له قبل إعتقالها) ستُعادل صواريخ "شهاب".

في المحصلة، فإن إستغلال التحركات الشعبية العفوية وتزخيمها في الضفة سيكون فرصة ليصل الصراع إلى مستوى مختلف من التوازن، مستفيدين من إعلان ترامب الذي لم يؤدِ إلى أي خسارة عملية للمقاومة الفلسطينية. فإسرائيل لم تحتل القدس أمس، لكنها تحتلها منذ 50 عاماً، وإن كان تحريرها واجباً قبل إعلانها عاصمة لإسرائيل، فسيبقى تحريرها واجباً بعده، فالقدس المحتلة بوصلة المقاومين وعاصمتهم..