"#اللبناني_بعاني_من".. هاشتاغ يجسّد معاناة المواطن

"#اللبناني_بعاني_من"، "هاشتاغ" غزا مواقع التواصل الاجتماعي ليجسّد من خلال تغريدات الناشطين على موقع "تويتر" حالة الإحباط التي وصل اليها المواطن اللبناني. إنه مسلسلٌ طويلٌ من المعاناة لا ينتهي، فالأوضاع المعيشية والبطالة والنفايات والكهرباء وزحمة السير والتلوث والفساد والمحسوبيات والضرائب والزيادات على الأقساط والمعاينة الميكانيكية والضمان وغيرها، تشكّل ثلةً من الأزمات التي تحيط بالمواطن من كل جانب.

وعلى الرغم من التحرّكات المطلبية المستمرّة، إلا أن للمسؤولين "إدن من طين وإدن من عجين"، فاستفحال الخلافات السياسية في لبنان يزيد من تفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، بحيث ينعدم لدى اللبنانيين اي بصيص أمل في إمكانية الإصلاح أو ترجمة الوعود على أرض الواقع.

"الوضع زفت بزفت، الا بالشوارع ما في زفت" يقول أحد الناشطين على موقع تويتر ضمن تغريدة كانت أقرب مثال لمقولة "شرّ البليّة ما يُضحك"، فالأداء السياسي في لبنان هو ليس الا نوع من المحاصصة يتقاسمها الكبار بينهم.

وفي لمحة سريعة على "السوشيل ميديا" لا سيما موقع فايسبوك وتويتر، يبدو جليّا أن الصرخة قد وصلت الى ذروتها، حيث أن المواطنين باتوا عاجزين عن "التطنيش" بعد تراكم المشاكل من حولهم في ظلّ غياب الحلول، فوجع الناس أصبح أقوى من أيّ مهدئات مؤقتة، وسرطان الفساد المستشري في جميع مؤسسات الدولة، على حدّ تعبيرهم، لن يعالج الا بالاستئصال. أما "الطائفية" فقد كان لها الحصة الأكبر والأدسم ضمن تغريدات الناشطين، التي اعتبرها البعض أنها أمّ المشاكل في لبنان وأن توزيع الوظائف على أساس طائفي زاد من نسبة البطالة حتى أصبحت "الشهادات معلّقة على الحيطان" الأمر الذي دفعهم الى المطالبة بفصل الدين عن الدولة لأجل دولة مواطنة عادلة تحفظ حقوق المواطن.

"إذا بهيدي الانتخابات اللبناني ما صوّت ضد السلطة، بكون اللبناني عم بعاني من إنفصام بالشخصية واوعى يرجع ينقّ" بهذه العبارة علّق الناشط الاجتماعي "جان دويهي" عبر حسابه الشخصي على تويتر معتبراً أنّ الناس مصابون بالزهايمر، إذ أنهم يطالبون بالتغيير ولكنّهم مع كل استحقاق يسارعون الى انتخاب "الزعيم" وينسون سنوات الحرمان التي عانوا منها في الماضي.

وتعكس نتائج البحث أن فئة من اللبنانيين تسجّل توجّهاً صريحاً نحو لوائح المجتمع المدني التي وبحسب رأي البعض تشكّل نموذجاً عن الوجوه الشبابية الطامحة للإصلاح، والتي إن تكاتفت جهودها قد تصبح قادرة على الإطاحة بالطقم السياسي الحالي الذي يعمل، بحسب وصفهم، وفقاً لمصالحه الشخصية بعيدا عن مصلحة الفرد في الوطن، فلا أذن صاغية لهمومه ولا أدنى حسابات لها لدى المعنيين.

وفي حين تستعدّ جمعيات المجتمع المدني لإطلاق مرشّحيها للانتخابات النيابية المقبلة، يخيّم على اللبنانيين جوٌّ من التوتّر واللاطمأنينة، بحيث تساور البعض منهم العديد من الشكوك حول مدى شفافية هذه الجمعيات ومصداقيتها في التطبيق، إذ أنّ تجربة الانتخابات البلدية في العام المنصرم، لم تغيّر شيئاً في الواقع، ورغم أن النتائج في تلك المرحلة بدت مدوّية في بعض المناطق، الا أنها تحولت الى ما هو أشبه بزوبعة في فنجان، جعلتها تخسر بريق شعاراتها مع اول امتحان تطبيقي، ولا سيّما في طرابلس، إذ أنّ فشل المشاريع الإنمائية والتي جاءت ضمن الوعود التي أطلقت ضمن برامجهم الانتخابية زعزعت ثقة الناس بهم رغم كمّ التبريرات التي انكبّ الفائزون على تقديمها والتي جوبهت برفض الشارع معتبراً إياها "عذر أقبح من ذنب". أما في بيروت، فإن لائحة "بيروت مدينتي" ورغم خسارتها في الانتخابات الماضية الا انها لاقت آنذاك دعما شعبيا لا بأس به، ولكنها عجزت عن الوفاء بوعودها التي شددت فيها على ضرورة متابعة العمل البلدي والمحاسبة للوصول الى التغيير، الأمر الذي أفقد بعض الناس إيمانها بأي تحرّك مشابه، متذرّعين بمبدأ "اللي بتعرفو احسن من اللي بتتعرف فيه"

مما لا شكّ فيه أن المجتمع المدني اليوم أصبح في ورطة شعبية كبيرة تضعه في حالة الدفاع عن النفس، فشكوك الكثيرين حوله وعدم الثقة به، إضافة الى تزايد أعداد الجمعيات والأعضاء الخاملين الذين لم تظهر أسماؤهم للعلن الا مع حلول موعد الانتخابات، واعتبار جهود البعض الاخر منهم "متاجرة" بالشعارات الرنانة والوعود الزائفة، قد قلّل من هيبة الناشطين، ودفع الناس للغوص أكثر عمقاً في التفاصيل متسائلين عن مصادر تمويلهم في ظلّ انتشار ظاهرة الفساد المالي. ومع أن نسبة ولو ضئيلة من الناشطين الشرفاء الفاعلين في المجتمع يناشدون التغيير حقاً الا أن وضع المجتمع المدني في لبنان كَكُلّ يبدو كارثياً مع انخراط مجموعات فيه تفتقر الى الثقافة المدنية وتطمح للوصول الى السلطة.

يقول البعض من اللبنانيين، "لن أنتخب، واللي بيتجوز إمي بقلّو عمّي"، وبعض آخر يقرر أن يكمل مسيرة الوفاء لمن يراه زعيما جديرا بالوصول الى السلطة رغم بعض العثرات والتضحيات التي يعتبرها هؤلاء لمصلحة الوطن، فالولاء للزعيم ليس ضعفاً أو إذلالا كما يدّعي البعض، بل هو علاقة متينة نشأت ما بين الأخير وهؤلاء الناس وإيماناً وثيقا بنهجه ومبادئه، ولكنهم يحملون التقصير الحاصل في البلد الى الانقسام الحاد في السلطة، بحيث يتهم مناصرو 14 اذار فريق 8 اذار بالعرقلة، والعكس كذلك، إذ يقول احدهم: "هني يبطلوا مختلفين والبلد بخير".

وفي النهاية هنالك جملة من الأسئلة يجوز أن تطرح على ضوء التنافس ما بين المجتمع المدني والأحزاب، هل سيكون للمستقلين فرصة للعبور الى السلطة في ظلّ وطن مسيّس بغالبيته؟ وهل ستستطيع الهيئات المدنية إيجاد حلول فعالة لمشاكل المواطنين المزمنة؟ وهل سيكون التطبيق بالسهولة التي يصوّرونها؟ أم أن اللبنانيين سيقعون مجددا في فخ الأوهام؟ هل تحوّل دور المجتمع المدني الى معارضة سياسية في مواجهة الدولة؟ في حين أن دوره الأساسي هو أن يكون مكمّلا، ومن سينتخب اللبنانيون نواباً لهم؟ أسئلة ستجيب عليها الانتخابات النيابية المقبلة، إن حصلت، والى حين حصولها، ستبقى المعركة طاحنة ما بين الأحزاب والتيارات السياسية والمستقلين، خصوصا على مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت أشبه بساحة حرب يشنّ فيها الناشطون هجماتهم كلّ بحسب انتمائه.