صحافة أجنبية

الأوضاع الأمنية تدهورت بشكل غير مسبوق والأحداث السياسية إنهارت بصورة مفاجئة

Lebanon 24
21-09-2015 | 06:44
A-
A+
Doc-P-61271-6367053185288506471280x960.jpg
Doc-P-61271-6367053185288506471280x960.jpg photos 0
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook
مثل العميد عصام ابو زكي دوراً اساسياً، في تدوين قصة وطن عاشها بدقائقها والتفاصيل، ولعل كتابه الشهير محطات في تاريخ وطن المرجع الذي لا بد من العودة اليه، للوقوف، على تفاصيل غابت احياناً عن تاريخ وطن، لكنها تبقى ضرورة للعودة اليها دائماً، في حياة العاصمة الثانية. من الإجهاز على دولة المطلوبين بقيادة احمد القدور ورفاقه، ومعرفة ما شهدته طرابلس، في تلك الحقبة الدقيقة من حوادث. الا ان الابرز والأهم، من معظم الأحداث، كان ظهور معالم الإغتيالات السياسية في العاصمة الثانية، وفي ايام الرئيس الشهيد رشيد كرامي. ويأتي في المقدمة اغتيال الزعيم الوطني كمال جنبلاط، واغتيال محافظ الشمال قاسم العماد قبله. والحادثان تركا أثراً كبيراً في الحياة السياسية اللبنانية. ويروي العميد عصام أبو زكي محطات أساسية في ذاكرة وطن يبحث عن الاستقرار في مدينة لم تعرف الاستقرار في تلك الحقبة. ويقول العميد ابو زكي ان الأوضاع الأمنية تدهورت في طرابلس بشكل غير مسبوق، في نهاية عام ١٩٧٥، اذ سيطرت الأحزاب والمنظمات الفلسطينية على المدينة بشكل فعلي على الرغم من استمرار بعض مظاهر وجود الدولة. لكننا تمكنا بصعوبة قصوى وبسبب صداقاتنا وعلاقتنا مع بعض أقطاب الحركة الوطنية وعلى رأسهم الشهيد كمال جنبلاط من أن نخترق هذه القوى لنُضمن استمرار تواجد أجهزة الدولة ومؤسساتها على الأرض، ونعمل بالتالي على فرض ولو مظهر معين من مظاهر النظام على حد قول قائد مدينة طرابلس يومئذٍ. في المقابل كان القرار قد اتخذ بإزالة كافة مظاهر الدولة، وجعل الناس بلا أي مرجعية بحيث تسقط المدينة ويسقط لبنان في ما بعد بسهولة في المصير الذي رسم لها. بدأت قوى الأمر الواقع محاولات متكررة لاجتياح المخافر، كما حاولت مرات عدة احتلال السرايا، وكنا في كل مرة نحبط محاولاتها بالتعاون مع محافظ الشمال الشيخ قاسم العماد، بكل ما أوتينا من علاقات وقوة. إلاّ أن إمدادنا بقوى إضافية كان مستحيلاً، وكنا نقضي أيامنا وليالينا تحت أزيز الرصاص وانفجار قذائف الآر. بي. جي. ودوي القنابل اليدوية. وكانت ظاهرة الأبوات أي أبو فلان وأبو علان قد استفحلت بحيث أصبحت الأرض محكومة بعدد كبير من القادة والمسؤولين، منهم المعروف ومنهم المجهول، وتراجع وجود الدولة باستمرار أمام هذا الزحف، وقد تعرّضنا في تلك الأجواء أكثر من مرة الى كمائن وإنفجارات لكن الله كان ينجينا في كل مرة. الا ان العميد عصام ابو زكي بدأ يدرك ان ثمة مؤامرة تحاك ضده، أو ضد المحافظ قاسم العماد. ويروي أبو زكي انه فوجئ بمعلومات تروي له ان زوجته التي كانت تدرّس اللغة الفرنسية في في احدى المدارس الرسمية فوجئت برجل ممدد امام باب المنزل، وكان مذبوحاً من الوريد الى الوريد ، والدماء تسيل منه. وبعد هذه الجريمة اخذت الأحداث تتزايد ضد المواطنين، وبدأت المخافر تتعرض لاطلاق نار. ويقول قائد مدينة طرابلس انه بدأت تتجمع لديه معلومات تشير الى ان هناك محاولة لقلب الأوضاع في المدينة والسيطرة عليها، فقصد منزل المحافظ قاسم العماد، واطلعه على ما يجري، وعلى النيّات المبيتة للمدينة، وحذره من ان جهة إجرامية تعد العدة لاغتياله واغتيال سعادة المحافظ. الا ان المحافظ العماد اجابه بتصور بريء للوضع يعكس شخصيته وعدم ادراكه لخطورة ما يجري على الأرض. وبادر المحافظ العماد العميد ابو زكي بكلام يعزز دوره كأب يرعى محافظة الشمال، ونحن لنا اياد بيضاء على أهالي المنطقة، وليس لي اي خصومة بينهم. وأيدت زوجته السيدة سامية ابو علوان وجهة نظر المحافظ، ودعتنا الى التروي والتهدئة. أجبت بأنني على يقين بأن سعادة المحافظ، هو الحاكم الاداري للشمال، وان الجميع يحبونه ويقدرونه، لكنني أوضحت للمحافظ وقرينته بأن طرابلس التي يعرفونها لم تعد موجودة، إذ حل محلها على الأرض واقع جديد لا علاقة له بأهل المدينة، وهناك قوى أمر واقع ومنظمات ومجرمون مأجورون وهؤلاء امتلأت المدينة بهم وهم الذين يشكلون مصدر الخطر الحقيقي، وليس أبناء المدينة. وقلت لهما أيضاً اننا أمضينا معاً في طرابلس فترة تخللها الكثير من الاشتباكات والمعارك مع المطلوبين، واتخذنا فيها المواقف الصلبة، والقرارات الصعبة، حرصاً على استمرارية الدولة في هذه المنطقة. وقد سالت جراء ذلك دماء عزيزة وقتل عدد من أفراد العصابات وزج في السجن بآخرين، وهذا يعني أن هناك من تأذى من فرض القانون إضافة الى المأجورين الذين يمكن لأي جهة أن تجندهم للعمل لحسابها. بقي المحافظ وزوجته على شعور الإطمئنان، فسلمت أمري لله، وسارعت الى وضع بعض عناصر الحماية أمام منزله. وكنت شخصياً لا أحب استخدام الحماية أمام منزلي، ولم استخدم عناصر حماية أصلاً في ظروف دقيقة مماثلة، في ما بعد لاعتقادي الراسخ أن الأعمار بيد الله، وأنه هو الذي يحمي، وأنه لو أن الله قدر شيئاً فلن أستطيع لا أنا ولا كل عناصر الحماية أن تحول دون حصوله. وحسب قول متداول كثيراً بين أبناء عشيرتي المعروفية فإن ابن عشرة لا يموت ابن تسعة وكفى بذلك مقالاً بليغاً. كانت عصابة الزعموت المرتبطة بأجهزة مخابرات معينة تتواجد في القبة منذ فترة بعد أن برزت فجأة وسط الأحداث، وبدأت تعيث فساداً وإرهاباً في طرابلس. وكانت مهمتها اختلاق الاشتباكات وتبادل الرصاص مع أهالي زغرتا في ذلك المحور تمهيداً لتوسيع الأمر الى ما هو أخطر عندما تأتي الإشارة، وكانت العصابة تقوم بأعمال لا أخلاقية، من سرقة وتعدٍّ على الحرمات. أمام هذا الواقع الأمني المتردي، فجأة حصلت أعمال شغب وتمرُد في سجن القبة، وأضرم المساجين النيران في جميع الفرش والحرامات. عملت على احباط هذه العملية باللّين تارة، وبالشدة مرّة أخرى، بما تيسر لي من عناصر، وكنت على اتصال دائم مع القيادة في بيروت أعلمهم بالمستجدات أولاً بأول. ويتابع العميد عصام أبو زكي روايته لما حدث: تدمير الدولة قضيت ليلتي في منزل أهل زوجتي. وصباح اليوم التالي الواقع فيه ٢٠/١٢/١٩٧٥، عقدت العزم على العودة الى طرابلس، لكن عندما انطلقت بالسيارة، سمعت صوت جهاز اللاسلكي يناديني رددت على النداء، فأبلغوني ان مجموعة مسلحة قد اقتحمت منزلي، وعندما لم يجدوني فيه، اطلق عناصرها النار بداخله كيداً وحقداً، لكن المجموعة نفسها تابعت باتجاه منزل المحافظ الشيخ قاسم العماد، الذي لم يكن يبعد كثيراً عن منزلي، وفي تمام الساعة التاسعة والدقيقة ٤٥، ظهر اثنان من المسلحين داخل سيارة امام البناء الذي يسكنه المحافظ. كان المحافظ قد غادر مصعد بناية عبد الوهاب التي تقع عند المدخل الشرقي لميناء طرابلس، بصحبة زوجته متوجها الى سيارته، ترجل سائق السيارة الدركي خالد خضر العلي لفتح الباب الخلفي للمحافظ وعقيلته، وفي تلك اللحظة انهمر الرصاص بغزارة، وفرّ المسلحون وخر المحافظ صريعا والدم ينزف من أنحاء جسمه، بعدما أصيب بعشرين رصاصة في رأسه ووجهه وكتفيه وصدره، بينما أصيبت زوجته برصاصة في بطنها وثمانية في رجلها خلال محاولتها التمسك بزوجها. أثار مقتل المحافظ العماد استنكاراً واسعاً في طرابلس، وأقفلت المحال التجارية، وبدأت الاحزاب والقوى تتجمع أمام منزل المحافظ الشهيد، وكان الغضب بادياً عليها لما تكن له من محبة واحترام. توقفت في بلدة شملان، حيث كان المعلم كمال جنبلاط يعقد اجتماعاً للقوى الوطنية في منزل الوزير عباس خلف، دخلت على الاجتماع وأعلمته بنبأ استشهاد المحافظ قاسم العماد، إنتابته حالة من الانفعال، وقال: إنهم بدأوا بتدمير الدولة والقضاء على المؤسسات، وأخذ يدقق بالسؤال عمّا جرى. التحذير الصعب ويواصل ابو زكي روايته: لذلك، وقبل فترة قصيرة من الدخول السوري الى لبنان، عقد اجتماع مصيري بين كمال جنبلاط وبين ممثلين عن جبهة الاحزاب المسيحية شارك فيها ممثلون عن الرهبانيات. وقد أخبر المعلم بعد عودته من ذلك اللقاء أن الطرف الآخر وافق بالفعل على البرنامج الإصلاحي المطروح من قبل القوى الوطنية والتقدمية، إلا أنه رفض السير بالاتفاق من دون ضمانات تتعلق بمستقبل الوجود الفلسطيني في لبنان. وبالطبع كان من الصعب على جنبلاط الذي كانت قواته تقاتل مع الفلسطينيين في جرود جبل لبنان، أن يعلن موقفاً من الوجود الفلسطيني المسلح في ذلك الوقت بالذات. لذلك، سعى الى إقناع الطرف المسيحي بأن الأهم والأكثر إلحاحاً هو إنجاز اتفاق بين اللبنانيين يقطع الطريق على مشاريع التدخل الاجنبي في لبنان، مؤكداً أن اللبنانيين قادرون على التوصل الى تنظيم الوجود الفلسطيني، بل وتحجيم التمدد الحاصل عبر حكومة مصالحة على غرار الحكومة التي قامت بعد ثورة ١٩٥٨، على أن تعطى تلك الحكومة صلاحيات استثنائية وتحظى بتأييد شامل، عندها فان تلك الحكومة لن تجد صعوبة كبيرة في تنظيم الوجود الفلسطيني. في ذلك الاجتماع بالذات حذر كمال جنبلاط القيادات المسيحية من مغبة طلب حماية سورية، مطلقاً كلمته الشهيرة بأن إدخال السوريين سيكون سهلاً، لكن سيكون من الصعب إخراجهم من البلد، وان المسيحيين أول من سيدفع الثمن. بعد تسلّم فصيلة طريق الشام، بدأ الوضع الأمني يشتدّ قسوة وعنفاً، وتوسع القتال بين أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية والمنظمات الفلسطينية من جهة وحزبي الكتائب والاحرار من جهة أخرى، وامتدت الاحداث الى جميع المناطق اللبنانية، ومنها منطقة الشوف. أمام هذا الواقع، لاحظ كمال جنبلاط ان الأمن في المنطقة قد فُقد، فحدثت بعض السرقات وجرائم القتل والتعديات، خاصة وان جهاز قوى الامن الداخلي خفّت فعاليته، وعندها تشكل الردع الثوري في الشوف من عناصر قليلة نسبياً، وظهر على المسرح العملي في ٤ نيسان ١٩٧٦، ومارس مهماته في كل أنحاء الشوف. ويتابع ابو زكي: طلب كمال جنبلاط بموجب مذكرة حزبية أن أتولى قيادة الردع الثوري في الشوف بمساعدة بعض الضباط الآخرين. فنزلت عند هذه الرغبة وانتقلت الى المختارة لمساعدته على تنظيم الأمور والسهر على الوضع الأمني في قضاء الشوف وقد أتلفت هذه المذكرة مع بعض الأوراق السريّة والتي تشكل خطراً عليّ وعلى بعض الاشخاص المقربين مني، غداة الدخول السوري الى لبنان وبعض مناطق الشوف. كانت توجيهات جنبلاط الضرب بيد من حديد على جميع المخالفين، وقمع كافة التعديات، خاصة على المسيحيين في المنطقة، وذلك بهدف ترسيخ الوحدة الوطنية وصهر الجميع في بوتقة التعايش الاخوي الذي كرّسه الشوف عبر تاريخه المجيد. بتاريخ ٢٨/١٠/١٩٧٦، تبلّغت دعوة من كمال جنبلاط تفيد بضرورة الحضور الى قصر المختارة لعقد اجتماع مع بعض الضباط الردع الثوري، ماتوا ليسلم سواهم وهم: فريد الحداد، فؤاد حسن والنقيب عاطف ذبيان. ويورد عصام ابو زكي معلومات دقيقة عمّا حدث بعد ذلك: مرّ التدخل السوري في لبنان بعدّة مراحل، كان أولها عبر دعم التمدّد الفلسطيني والقوى السياسية المتحالفة معه. ومع انفجار الحرب الأهلية بعد حادثة بوسطة عين الرمانة، بدأ التدخل يأخذ طابعاً سياسياً صريحاً تحت ستار مبادرات الوساطة. وكان الهدف المعلن لتلك الوساطات هو وقف العنف وإنهاء الازمة السياسية وتنظيم العلاقة بين الدولة والمنظمات الفلسطينية، لكن الهدف الحقيقي كان إعطاء الاطراف كلها فرصاً جديدة للتسلح وتعزيز مواقفها والاستعداد لجولات عنف جديدة، بدليل أنه بينما كانت جولات الوساطة السورية تجري بإشراف وزير الخارجية عبد الحليم خدام ونائب وزير الدفاع السوري ناجي جميل وكان مسيحياً، فان تدفق الاسلحة كان يزداد كثافة الى الأطراف المتقاتلة يتبعها اتساع في رقعة المواجهات، لكن مع إدارة خفية لخطوط التماس التي أصبحت في كثير من المواضع ثابتة ويمنع تجاوزها. كان النظام السوري يدعم المقاومة الفلسطينية والأحزاب الوطنية، وكان يدعم أيضاً تحقيق التحالف اليساري الفلسطيني لتقدم محدود على الجبهات، لكن دون تمكين هذا الأخير من كسب المعركة. وكان الهدف الفعلي هو حشر المسيحيين ودفعهم الى وضع يضطرون فيه الى الاستنجاد بدمشق، التي تدخل لبنان عندها تحت ذريعة حمايتهم وإنقاذ البلد من الفوضى والاقتتال. بالنسبة الى كمال جنبلاط كان تقدم القوات الوطنية على الجبهات لحظة مفصلية يمكن أن تشكل بداية الحل وتطبيق الإصلاحات السياسية. أما بالنسبة للرئيس حافظ الاسد، فان ذلك كان يعني أن الوقت قد حان لقطف ثمار النزاع اللبناني بعد أن نضجت الظروف لذلك. كانت دمشق قد افتتحت ذلك التدخل بإدخال قوات من الجيش السوري تحت ستار جيش التحرير الفلسطيني لواء اليرموك الى الاراضي اللبناني عبر بوابات الشمال والبقاع وذلك في ١ كانون الثاني من العام ١٩٧٦. في ١٥ آذار ١٩٧٦، قررت دمشق منع هجوم شامل كانت تعده الحركة الوطنية والمنظمات الفلسطينية المساندة لها وجيش لبنان العربي لاحتلال قصر بعبدا، وكلفت القيادة السورية جيش التحرير الفلسطيني ومنظمة الصاعقة الخاضعين لسيطرتها بقطع الطريق على المهاجمين. يومها طالب كمال جنبلاط لاول مرة بانسحاب السوريين من لبنان: على السوريين الانسحاب، إنتهى دورهم، ان موضوع الحكومة الان هو لبناني صرف. ارتفعت وتيرة التوتر بصورة غير مسبوقة بين كمال جنبلاط ودمشق، وبدأت وسائل الاعلام السورية والمنظمات والاحزاب التابعة لها في لبنان في مهاجمة الزعيم الوطني ناسبة له شتى اصناف الطموحات والمؤامرات. ويقول عصام ابو زكي بأن مشاركته في الحرب اللبنانية كانت من أصعب القرارات بالنسبة له، لانه كان يكره العنف، فهو بطبيعته وبحكم قناعاته الروحية والفلسفية لاعنفي، ويميل الى فلسفات الاصلاح التي تحقق التطور في النظام السياسي من داخله، وبفعل العملية الديمقراطية. لكن كمال جنبلاط شعر منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، وربما منذ الغارة الاسرائيلية على مطار بيروت في العام ١٩٦٨ بأن شيئاً ما يدبر للبنان. وكان يعتبر أن قصر نظر الطبقة السياسية المارونية، وتمسكها الشديد بالامتيازات التي حصلت عليها في مطلع الاستقلال، ورفضها الإقرار بتغير ظروف البلد وضرورة التطور، سيكون ربما هو المدخل لإيجاد صدام طائفي أو أهلي تمهيدا للهيمنة على لبنان من قبل نظام إقليمي أعتبر لبنان دوما ارضاً مسلوخة عنه. شعر جنبلاط أيضاً أن النظام السوري كان يسعى لتحقيق غايته في لبنان عبر التفاوض مع الاميركان والسوفيات، وكان هم الرئيس حافظ الاسد أن يخلق وضعاً يجعل هؤلاء الاطراف جميعاً يقتنعون بأن الازمة اللبنانية بشقيها اللبناني - اللبناني واللبناني - الفلسطيني غير قابل للحل، وأن النظام السوري هو وحده القادر على ضبط الوضع وتأمين أهداف عدة للتحالف، وقد زينت الخطة في مرحلة متأخرة بهدف نبيل وضع لاهتمام الأوروبيين، ولا سيما الفرنسيين، وهذا الهدف المزيّف كما سيتبيّن للمسيحيين أنفسهم فيما بعد كان حماية الوجود المسيحي المهدد في البلد. لهذه الأسباب لجأت دمشق في البداية الى مساندة وتقوية المنظمات الفلسطينية قبل أن تنقلب عليها لاحقاً، وذلك كمدخل لإضعاف السلطة. ويستطرد: لقد بذل كمال جنبلاط جهداً كبيراً عام ١٩٧٥ في محاولة حشد التأييد لمشروع الاصلاح السياسي الذي طرحه واستهدف ازالة عناصر التوتر والانقسام بين اللبنانيين من خلال تحقيق التوازن في السلطة وإدخال إصلاحات ديمقراطية ترتكز على المساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص. ودعا جنبلاط القيادات المسيحية الى إجراء حوار صادق واتفاق يجنب البلاد الهاوية التي كانت تقف على حافتها. ويستدرك: لكن محاولة جنبلاط خلق تفاهم حول الاصلاحات لم تنجح، لان الرأي العام المسيحي كان قد توحّد تحت راية الخوف، وبات قابلاً الى حد ما بفكرة أن التقسيم أفضل للمسيحيين من القبول بالتحول الى أقلية وسط عالم إسلامي، وكان الوجود الفلسطيني ولا شك عاملاً في زيادة خوف المسيحيين من المستقبل والترويج للحلول المتطرفة في صفوفهم. ومع توالي جولات المعارك وإنسداد أفق التفاوض السياسي وتزايد الدعوة الى التقسيم، مال الزعيم كمال جنبلاط أكثر من السابق الى فكرة الحسم على الارض بهدف إجبار القيادات المسيحية على التفاوض على تسوية للملف اللبناني، بينما كان في الوقت نفسه يسابق الترتيبات الدولية، التي بدت كما لو أنها أعطت ضوءاً أخضر لدخول النظام السوري الى لبنان. وكانت المعلومات والدلائل التي يمتلكها تشير الى ذلك، وخصوصاً الموقف العربي الذي بدا مستعداً لتغطية الدخول السوري الى لبنان.
تابع

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

 
إشترك
Softimpact Softimpact web design and development company website
جميع الحقوق محفوظة © Lebanon24
جميع الحقوق محفوظة © Lebanon24
Softimpact Softimpact web design and development company website