يكاد لا يمر أسبوع من دون أن نسمع عن نبأ انتحار مواطن أو محاولة انتحار، فبحسب تقرير قوى الأمن الداخلي يسجل كل ثلاثة أيام عملية انتحار مما يعني أن وتيرة هذه الظاهرة الاجتماعية المستجدة تشهد ارتفاعاً ملحوظاً، بحيث يتجاوز عدد عمليات الانتحار المئة سنوياً. ما هي الأساليب وما هي الأسباب وما هي الدوافع التي تغلب فكرة الموت على غريزة البقاء؟
الانتحار ظاهرة محرمة دينياً وغير مقبولة اجتماعياً ومستهجنة إنسانياً، وفي حين تشير الأرقام العالمية الى ارتفاع هذه الظاهرة في كل دول العالم، تفيد تقارير منظمة الصحة العالمية بأن عدد المنتحرين سنوياً في العالم يقارب 800 ألف شخص عدا عن محاولات الانتحار التي يفشل أصحابها في وضع حد لحياتهم، وهي كرست العاشر من أيلول يوماً عالمياً لمنع الانتحار، وقد تقاطع تقرير المنظمة عن ظاهرة الانتحار في لبنان مع التقارير التي تصدر عن قوى الأمن الداخلي بحيث يؤكد الطرفان وجود منتحر كل ثلاثة أيام. فما هي نظرة علم النفس الى ظاهرة الانتحار؟
تقول اختصاصية علم النفس جوزيان عقل إن الانتحار هو حال قصوى من حالات الضيق التي بدأنا نتلمس ازديادها عند كل الشرائح الاجتماعية من دون استثناء، والأمر لم يعد محصوراً بفئات عمرية معينة. من هنا ضرورة معالجة المراحل التي تسبق ما قبل الوصول الى مرحلة الضيق، وبالتالي الانتحار خصوصاً أن المجتمع غير محصن أمام متطلبات الأحوال المعيشية والاقتصادية الضاغطة.
من يحاول الانتحار هو شخص عجز عن رؤية حلول مناسبة لمشاكله فكان الانتحار الحل الوحيد المتاح أمامه، علمأ أن الانتحار هو سلوك رائج منذ أقدم العصور، لكنه لم يصبح ظاهرة اجتماعية الا في منتصف القرن العشرين. أما الاسباب فهي متعددة تبدأ بعامل انتشار عدوى حضارة العولمة التي اجتاحت مجتمعات كانت في الماضي أكثر اماناً واطمئناناً، وفي مقدمها المجتمعات الشرقية المحافظة والمتدينة يقابلها حال من الانحدار الاجتماعي بسبب غياب المودة وراحة البال وازدياد العدوانية في العلاقات الاجتماعية إضافة الى الاضطرابات النفسية على أنواعها وكذلك تعاطي المخدرات وحبوب المنومات وإدمان الكحول.
يعد الإكتئاب، بحسب عقل، من أهم الأسباب التي تؤدي الى الانتحار وهناك نوع منه يطلق عليه اسم الإكتئاب ذي القطبين، وهو مرض بيولوجي لا يأتي من سبب معين بالضرورة، لكنه المسؤول عن غالبية عمليات الانتحار ويتمثل في عدم القدرة على التأقلم مع ظروف الحياة إذ ليس كل الناس على ذات المستوى في مواجهة تحديات الظروف المحيطة بنا.
اساليب الانتحار في لبنان، بحسب التقارير الأمنية، تعتمد بشكل أساسي على إطلاق النار في الرأس أو شنق النفس أو استخدام مواد سامة أو كمية كبيرة من المخدرات دفعة واحدة، وتعد صخرة الروشة قبلة المنتحرين في لبنان حيث يقفز منها كثيرون رغبة في إنهاء حياتهم كما أنه بدأت ظاهرة "البوعزيزي" في الانتشار تدريجياً أي إقدام الشخص على إضرام النار بنفسه.
عندما تختل علاقة الإنسان بنفسه من الطبيعي أن ينعكس ذلك على علاقته بالآخرين، لكن تنمية حس الثقة بالنفس والقدرة على المواجهة والتمسك بالايمان كلها عوامل تساعد الانسان على تحصين نفسه ضد اختلالات نفسه.