أما وقد أصبح الحراك المطلبي ضدّ النفايات وفشل الطبقة السياسية الذي تقوده حركات في المجتمع المدني وفي طليعته حملة "طلعت ريحتكم" على طاولة مجلس الأمن فمسألة فيها نظر... بعد أن قدّمت ممثلة الأمين العام للأمم المتّحدة في بيروت سيغريد كاغ تقريرا بشأنها من بيروت الى نيويورك وبعد أن صرّح بشأنها السفير الأميركي ديفيد هيل وأصدر الإتحاد الأوروبي بيانا مدافعا عن حرية التظاهر في لبنان وسط كلّ المشاكل التي تعانيها أوروبا وخصوصا أزمة النزوح السوري.
وقد أثارت ردود الفعل الدولية المفاجئة دهشة العديد من القوى المحلية التي بدأت تنظر بريبة إلى هذا الحراك المطلبي الذي تصعب مواجهته نظرا الى المطالب المحقة التي يرفعها والتي حرّكت آلام الشعب اللبناني الذي يعاني منها منذ سنين.
أمّا مردّ التشكيك فيعود إلى عدم منح المنظمين فرصة لأهل السلطة لإنتاج حلول سريعة. ويضع سياسي رفيع في قوى 8 آذار الحراك في خانة التشكيك منذ إقفال مطمر الناعمة في 17 تموز الفائت، ومنذ فضيحة التلزيمات لمطامر النفايات التي "أريد لها أن تكون فاقعة لكي تفشل ولكي يستمرّ الحراك الذي وراءه ما وراءه من أهداف سياسية" بحسب هذا السياسي.
تنظر قوى 8 آذار و"حزب الله" ركيزتها الأساسية بكثير من الحذر الى حراك شعبي حرّك بحقّ جزءاً من شعبيته التي ترزح تحت ظلم السلطة، لكنّ المحللين لدى هذا الفريق يرون أموراً خفية عدّة ويطرحون أسئلة كبرى وخصوصاً بعد أن وصلت نفايات لبنان الى طاولة مجلس الأمن الدّولي.
فهذا الحراك مموّل من قطر - بحسب وجهة نظر هؤلاء - وخصوصا لجهة وسائل الإعلام المنضوية للتسويق له وما تظهّر من تفاصيل عن سفر لمدراء كبار في تلفزيون "الجديد" و"أل بي سي آي" الى الدوحة، وهو حراك مدعوم من الولايات المتحدة الأميركية التي تعمل على ما يسميّه هؤلاء "مخططا هلاميا لم يزل غير واضح المعالم".
وفي مقابل معسكر أميركا- قطر ثمّة معسكر آخر يتمثل بالسعودية التي عاد التزاحم بينها وبين قطر على تقاسم الساحة السنية مع بدء العدّ العكسي لتسوية سورية محتملة ويبدو لبنان في مقدّمة هذا الصراع، بحسب وجهة نظر أطراف حزبية فاعلة من قوى 8 آذار، التي عادت لاتهام قطر بأنها تجدّد "إضرام" الربيع العربي لحساباتها الخاصّة ولتقطف ثمارا جديدة، وأن الولايات المتحدة لا تمانع في نثر الفوضى من جديد وإثارة "ديناميات" تطلقها عبر وسائل عدة منها تحريك المطالب الشعبية المحقة ورفع شعارات المشاركة السياسية ومحاربة الفساد على غرار ما فعلت في دول الجوار وخصوصا في مصر وتونس وسوريا على أن تثمر هذه الديناميات ثمارا منها حصول انتخابات رئاسية ونيابية وإبعاد ما يسمّى مرشح إيران و"حزب الله" أي العماد عون عن الرئاسة الأولى، وصولا الى إرباك "حزب الله" بقلاقل الداخل اللبناني ثمّ إرغامه على العودة من سوريا، ولا يستبعد هؤلاء أن يتمّ تحريك نازحين سوريين في المناطق اللبنانية، وإثارة نزاع داخلي سني- شيعي كاد أن ينفجر في عكار لولا ضبط الشارع الذي كان سينزل الى بيروت تحت شعار الدفاع عن رئاسة الحكومة!
وبالتالي يريد الأميركيون إستثمار هذه الفوضى لإعادة "حزب الله" من سوريا... وفي الإطار الأوسع تقليص نفوذ إيران التي حظيت بإتفاقها النووي وذلك بضرب نفوذها في العراق عبر تظاهرات ضد المرجعية الدينية، وفي لبنان أيضا حيث رفعت في الشارع وللمرّة الأولى صور للسيد حسن نصر الله سرعان ما استبدلت بصورة للنائب محمّد رعد ورفع المتظاهرين لشعار:" كلّن يعني كلّن".
وتشير أوساط رفيعة في قوى 8 آذار تحدثت الى "
لبنان 24" الى أنّ الصراع السعودي- القطري عاد بقوّة، وأن السعودية ستخسر في حال النجاح في زعزعة حلفائها الذين يقودون الحكومة اليوم بشخص الرئيس تمّام سلام، وستكون خسارتها أقوى إذا صحّ الرأي القائل بأنّ من النتائج السياسية لهذا الحراك إعادة صياغة النظام السياسي من جديد وإدخال مكوّن جديد الى جانب مؤسسي الكيان اي الموارنة والسنّة وهو الطرف الشيعي بشرط أن ينخرط "حزب الله" في الحلول السياسية من سوريا الى لبنان ويقلّم أظافره التسلحية.
في هذا الإطار، يقول أحد المحللين الإستراتيجيين لـ "
لبنان 24" :" إن التسوية في سوريا ستفعّل ملفّات المنطقة برمّتها: من الإتفاق الإيراني الى بدء الخطوط العريضة للحلّ في سوريا، وثمة تداعيات على جميع الأطراف الإقليميين والمحليين. وما يحدث هو كناية عن إعادة صياغة الحياة السياسيّة في لبنان والتي بنيت على مكوّنين أساسيين هما السنّة والمسيحيين، وبالتالي إن العودة الى الحياة السياسية بعد الثورة السورية تحتاج الى إعادة صياغة في لبنان، قد يكون "كيس الزبالة" هو المسوّغ أو اي مسوّغ آخر لكنّ كلّ ذلك يقودنا الى فكرة إعادة الصياغة". يضيف:" لا يمكن أن تبقي إيران على "حزب الله" كما هو عليه، ولا أن تبقي عليه في سوريا. الوضع الجديد يتطلّب من "حزب الله" التفكير في المستقبل وهو سياسي في المنطقة، وبالتالي عليه أن يبرّر كيفية دخوله الى الصيغة الجديدة وانخراطه في العمل السياسي في لبنان كعنصر فاعل مع المكونات الأخرى".
(خاص "
لبنان 24")