سقوط دولة المطلوبين في طرابلس، في حقبة السبعينات، يعزز الدور القيادي الذي اضطلع به العميد عصام ابو زكي، في عهد الرئيس سليمان فرنجيه، وفي عصر الرئيس رشيد كرامي، وينهي أسطورة عاشتها العاصمة الثانية، وجعل من مدينة طرابلس الفيحاء، رمزاً لقيامة الدولة، ايام المحافظ المقدام قاسم العماد الذي كان وجوده في المدينة رمزاً لعودة السلطة الى عاصمة غابت السلطة عنها.
وصودف أن كان العميد عصام ابو زكي مرجعاً أمنياً كبيراً، عزز من قدراته ومواهبه القيادية والصرامة، وجود عدد من القادة الأمنيين ابرزهم الوزير السابق للداخلية مروان شربل، وقائد سرية الشمال العسكرية العميد بدري الغزال، وقائد الشرطة الامنية في المدينة العقيد سمير ابو جوده.
ولعل المفارقة الكبرى، كانت الشهادة بالعميد عصام ابو زكي التي كتبها في مقدمة كتاب عنوانه محطات في ذاكرة وطن، والتي عبر فيها الزعيم الوطني وليد جنبلاط عن تقديره للرجل الكبير، وقد جاءت على الشكل الآتي:
عرفتُ العميد عصام ابو زكي منذ سنوات طويلة، وهو الذي تولى المهام الامنية الصعبة في حقبة قاسية من تاريخ لبنان الحديث، وقد خدم الدولة اللبنانية لعقود بشرف ووفاء رغم ما شكله ذلك من مخاطر ومصاعب في لحظات الانقسام الوطني العميق، وفي مراحل الاقتتال الداخلي بين اللبنانيين.
في مسيرة العميد ابو زكي محطات ومفاصل في غاية الأهمية، عكست حرفيته ومهنيته في العمل العسكري والأمني، وقد درس وحقق في المئات من الملفات الكبيرة والحساسة، قد يكون اهمها وابرزها ملف اغتيال كمال جنبلاط الذي استطاع من خلال اصراره وعناده، على رسم صورة الجريمة كاملة بالأسماء والتفاصيل كاشفاً جميع المخططين والمنفذين والمتورطين.
لقد دفع العميد ابو زكي في الكثير من المراحل ثمناً لمواقفه ولعمله المهني في وقت كانت تتحلل فيه الدولة بكل مؤسساتها، ويتلاشى حضورها ويضمحل دورها. حرص ألا يتراجع، عندما كانت هيبة الدولة في أدنى مستوياتها، بل بذل كل الجهد، ضمن نطاق عمله، لترميم هذه الصورة المبعثرة وتطبيق القانون بحزم وقوة.
كل التحية للعميد ابو زكي على كل ما قام به، وكل الشكر له لبذله الجهد لتوثيق ملفات وحقبات مهمة في تاريخ لبنان المعاصر.
كانت بداية انهيار دولة المطلوبين عند تضييق الخناق على احمد القدور ورفاقه من المطلوبين للعدالة.
وعندما حاولت قوة من المغاوير، توقيف المطلوب عبد الغني كمون وعلى بعد مسافة منه المطلوب للعدالة ألبير الحلو. فحاول كمون القفز من فوق حائط أحد المنازل، فأنذرته القوة بالتوقف، الا انه بادر باطلاق النار من مسدس حربي، فأصاب الدركي المغوار شوقي القدور وهو من بلدة القلمون، برصاصة في ساقه، فردت القوة بالمثل وأصابته برصاصتين اخترقتا صدره وأسفل بطنه. أما المطلوب الحلو وهو لقب اتصف به في الاسواق القديمة واسمه الحقيقي ألبير خوري من عكار، فقد حاول الهرب بدوره، لكن القوة كانت اسرع منه، حيث قذفه أحد عناصرها بحربة اصابته في ظهره وسقط على الارض جريحاً.
وبعد وصول سيارة الاسعاف نقل كمون والحلو الى المستشفى، لكن كمون فارق الحياة على الطريق قبل وصوله الى المستشفى. ساعة ذاك ايقنت القوى المشتركة ان تباشير القضاء على باقي المطلوبين الذين اصبح عددهم ثلاثة اوشكت على النهاية. فطلبت تعزيز القوة بمصفحتين رابطت الأولى عند مستديرة نهر ابو علي، في حين اتخذت الثانية موقعاً لها عند نهاية كورنيش رشيد كرامي، حيث يصب نهر ابو علي في البحر.
وشاهد عدد من رجال الدرك شيئاً يتحرك تحت عيدان القصب، ولدى اقترابهم من المكان، تبين ان المطلوب مظهر الشامي يختبئ بين هذه العيدان، فاستسلم دون مقاومة. بعد ذلك بنحو نصف ساعة استطاع احد الكلاب البوليسية أن يدل على آثار خلّفها القدور وراءه، وهي عبارة عن قشور ليمون وفضلات مأكولات وملابس متسخة بالوحول، وعلى بعد مسافة من هذه الآثار شاهد العريف في الجيش نفاع صباغ احمد القدور يحاول الاختباء في مجرور في مياه السقي، وكان يضع على رأسه قبعة حمراء للفرقة ١٨ لتضليل قوى الأمن، وكانت القبعة سقطت من رأس أحد العناصر اثناء مروره بين أشجار الليمون المكتظة بالأغصان فعثر عليها القدور ووضعها على رأسه للتمويه.
ولدى اقتراب العريف صباغ من زعيم المطلوبين بادره القدور بشهر مسدسه، وهو جاثم على الأرض، ووضعه تحت بطن الجندي، لكن العريف كان أسرع منه فصوب بندقيته نحو رأس القدور.
في تلك اللحظة هجم الكلب البوليسي فجمد القدور بدون حراك، لأنه يعرف بأنه فيما لو أتى بأي حركة فان الكلب المدرب سوف يمسك به. استحلف القدور الجندي ان يتركه وأنا بغنيك لولد ولدك، الا ان العريف رفض ووجه الى القدور كلاماً من النوع الملائم للموقف، وبادر الى اطلاق النار لتنبيه زملائه، فحضرت قوة حيث أمسكت بالقدور وصادرت منه مسدس الدركي محمد الرفاعي الذي استشهد ثاني ايام الحملة.
عندئذٍ بدأ اطلاق الرصاص ابتهاجاً وايذاناً بانتهاء حملة القضاء على دولة المطلوبين، ونقل القدور مكبلاً بعد ان اشبع ضرباً، الى ثكنة بهجت غانم في القبة، وبعد جهد وازدحام حركة السير، تم ايصال القدور الى مقر القيادة العسكرية، وهناك ايضا لقي من مظاهر الترحيب الامر المتوقع. فقد هجم عليه العسكريون وأشبعوه ضرباً ولكماً وشتماً وبمشقة تم قذف القدور داخل غرفة الرائد ألبير سماحه ضابط المعلومات حيث باشرنا بالتحقيق معه.
بالقبض على القدور انتهت اسطورة المطلوبين. وفي اليوم الثاني عشر استراح العسكر، بعد ان مشطت احياء بكاملها، ومناطق واسعة في الضنية وعكار وبساتين طرابلس، انما ليس بشكل كامل، فقد بقي من المطلوبين واحد هو ابراهيم الصمدي، الذي لم توفق قوى الامن في العثور عليه وتوقيفه اثناء تمشيط المنطقة.
وكانت حصيلة التصفية: خمسة قتلى و٢٢ جريحاً، ومصادرة كميات من الاسلحة والذخيرة والقنابل والمواد الاخرى الممنوعة واعتقال نحو ١٠٠ شخص بينهم المطلوبون الرئيسيون.
ويقول الرائد عصام ابو زكي ان احد الامور الغريبة التي رافقت خاتمة العملية هي نداء اذاعة الجيش الاسرائيلي عبر الاذاعة الاسرائيلية، موجه الى افراد عصابة القدور الفارين، عرض عليهم نقلهم الى اسرائيل، وطلب منهم التوجه الى آخر مجرى نهر ابو علي على شاطئ البحر، بحيث يمكن اخذهم الى قطعة بحرية اسرائيلية.
النداء اذيع بالفعل، وسمعه المواطنون يومذاك، لكن لم يفهم أحد مغزاه، لأنه وعلى فرض ان اسرائيل كانت مهتمة بتهريب هؤلاء المجرمين، فانها لم تكن لتفعل ذلك بالاعلان عنه في الاذاعة، اذ كان في امكانها تدبير ذلك في الظروف الامنية السائبة في طرابلس. فما الذي قصده العدو بهذا الاعلان؟ وهل كان الأمر على سبيل التشويش ام الحرب النفسية ام الشماتة ام لاظهار ان اسرائيل لاعب في الحرب والتذكير بأنها موجودة على الأرض ايضا؟ لم نعرف الجواب على هذا الاسلوب الاسرائيلي الماكر. لكن لنذكر اننا قبل سنة، وكما سبق أن أشرنا اليه، كنا ألقينا القبض على عميل اسرائيلي خطير كان يعيش بصورة طبيعية ويتجول ويتجسس بل ويدرب الكاراتيه في المخيمات الفلسطينية!
تقدير رسمي
وبتاريخ ٢٣ ايلول ١٩٧٥ صدر مرسوم جمهوري رقم ١٠٧٣١، قضى بمنح النقيب عصام ابو زكي قدماً للترقية مدته سنة واحدة لبلوغ رتبة رائد للسبب التالي: ترأس قوة اقتحام معقل عصابة من الاشقياء الخطرين في اسواق طرابلس الداخلية، فنفذ المهمة بجرأة واندفاع معرضاً نفسه للخطر الأكيد، وقضى على المقاومة المسلحة العنيفة التي صادفها، ثم قاد واشترك شخصياً في ظروف صعبة بسائر الاجراءات والعمليات العسكرية التي استهدفت تصفية عصابةالاشقياء انفسهم وتوقيف اعضائها.
بين الاحداث الامنية التي عايشها العميد ابو زكي في عاصمة الشمال، كان التحدي الذي اثارته نشاطات ما سمي ب دولة المطلوبين في الاحياء الداخلية للمدينة التحدي الاخطر لأنه من النوع الذي يمكنه زعزعة هيبة الدولة، وفتح الباب امام ولادة ظواهر مماثلة هنا وهناك.
وهذه المرة كانت العناصر الاجرامية المدعومة من جهات خارجية قد تكتلت واصبح لها جيش صغير من المقاتلين العاطلين عن العمل واصحاب السوابق.
وبالنظر لحجم الظاهرة وتركزها في الاحياء الداخلية وازقتها الضيقة، فقد بدا للبعض انه من الصعب التعامل معها امنياً، حتى ان رئيس الوزراء يومئذٍ رشيد الصلح اعتقد انه من المفيد التفاوض مع القدور، وقد حصل اللقاء الذي كان في نظر عصام ابو زكي خطأ سياسياً، لأنه جعل من رئيس حكومة يتنازل للتفاوض مع رئيس عصابة، الأمر الذي اعطى للرجل قيمة لم يكن يملكها. ربما اعتقد الرئيس الصلح أنه قادر بحنكته أن يتوصل الى حل توافقي يجنب طرابلس معركة دموية، لكن طبيعة العناصر التي تعامل معها كانت اجرامية، الا ان التساهل الرسمي هو علامة ضعف، وقد اشتهر عن القدور يومئذ قوله انه سيطعم الرئيس رشيد كرامي الفلافل في المدينة القديمة، أي في نطاق دويلته المزعومة.
ويتساءل أبو زكي:
كيف تم لنا وللقوى الأمنية وللدولة هذا النجاح الأمني، والذي في الحقيقة، وضع حداً لتيارات وبؤر الاجرام والخروج على القانون في المدينة.
كيف ولدت الظاهرة
كانت ظاهرة دولة المطلوبين أوضح دليل على تصاعد المخطط الذي يستهدف لبنان. فهذه الظاهرة التي شكلت تهديداً لأمن طرابلس، تذكّر بما عاد وحصل في مخيم نهر البارد، وهي جاءت على شكل تتمة وتصعيد في الوقت نفسه لظواهر منظمة الغضب. لم يكن أعضاء عصابة القدور سوى زمرة من الحثالة، ولم تكن لهم أي أفكار سياسية أو جاذبية للشارع، لكن هذه العصابة تمكنت من التوسع في الأحياء القديمة لمدينة طرابلس بعدما تلقت تشجيعا ودعما من جهات خارجية متعددة. ومن أكثر الأمور لفتاً للانتباه، هو ان الظاهرة برزت بقوة في مطلع العام ١٩٧٥، أي قبل بضعة أشهر من حادثة عين الرمانة، فلا يمكن بالتالي عزلها عن نهج التفجير الذي اكتملت حلقاته مع حادثة بوسطة عين الرمانة.
رغم الدعاية التي رافقت ظاهرة دولة المطلوبين في المدينة القديمة من طرابلس وأسواقها، والتي كان أحمد القدور رمزها، فقد تمكنت قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني في مرحلة أولى من القضاء عليها، بعدما تم حصارها طوال أحد عشر يوما من بداية عام ١٩٧٥. فخرج بقايا شبانها من أسواق المدينة القديمة، ولجأوا الى أحياء شعبية في طرابلس مثل السويقة وظهر المغر والقبّة وباب التبانة.
وأحمد محمد القدور هو الثالث بين أربعة أشقاء، والدهم دركي سابق من بلدة تكريت في عكار، وأمهم من الحارة البرانيّة في طرابلس. شقيقه الأكبر محمود مات في السجن، وهو يقضي عقوبة جزاء جريمة قتل، وعمر قتل برصاص الدرك في معركة استشهد فيها رقيب أول في الدرك، ومحمد، وهو آخر العنقود ظلّ يلازم منزله في قرية تكريت العكارية.
ترعرع أحمد القدور في الأحياء الداخلية كمواطن مخلص لدولة القبضاي ديب شحيطة وعندما زالت دولة الشحيطة، ورثه القدور ووسّع دولته فأصبحت تعرف باسم دولة القدور، قبل ان يطلق عليها فيما بعد، اسم دولة المطلوبين وقد استمرت دولة القدور سبعة أشهر، ومثّلت تحدياً للدولة وهيبتها، الى حين القضاء عليها تماماً صباح يوم ١٦ تشرين الثاني ١٩٧٥.
وهذا ما زرع الخوف منها، في طرابلس، في قلوب المواطنين الذين ظلوا يسايرونه أشهراً لأنه كان عنصر تخويف في المدينة.
ويتساءل العميد عصام أبو زكي:
كنت مدركاً أن ظاهرة القدور ودويلته ليست أمنية فقط، لأن لها جذورها الاجتماعية، وخصوصا الحقد الذي يحمله فريق من فقراء المدينة على سلطة الدولة باعتبارها سلطة للقمع غير مهتمة بمشكلاتهم. لذلك، فإنني اعتبرت كسب ثقة الناس العاديين والفعاليات في المدينة شرطاً أساسياً لكسب المعركة في نهاية المطاف.
قمت من أجل ذلك بتشكيل فريق عمل كنت على رأسه، مهمته التفرغ لمواجهة تلك الحالات بكثير من الشفافية والتفهم لهموم الناس. وقد تمكنا من فتح كوّة داخل هذه الأسواق سواء بتوفير المعلومات أو بالمساعدات الاجتماعية، وهنا أذكر جهود محافظ الشمال الشيخ قاسم العماد، رحمه الله، الذي هيّأ لنا أجواء الثقة باعطائنا كثيرا من الصلاحيات، ووفّر لنا بعض أكياس الحنطة والقمح والوجبات الناشفة المعلبات والحليب والخبز لتوزيعها على نطاق ملموس داخل أسواق المدينة.
تمكنا من خلال تلك المبادرات من أن نكسب ثقة المواطن. وكانت مكاتبنا مفتوحة لأصحاب الحاجات. فكنا نصغي الى شكاويهم، ونسعى بكل ما لدينا للاهتمام بأوضاعهم ومساعدتهم. وقد توسعت اتصالاتنا الى ادارة المستشفيات في المنطقة من أجل تسهيل دخول المرضى اليها وتأمين حصولهم على الدواء. ووقف المغفور له الرئيس الشهيد رشيد كرامي معنا، وأطلق عبارته الشهيرة أمامنا: إن الشرطة في خدمة الشعب وليس لقمعه. إلاّ أن هذا العمل لم يحل دون وقوع بعض الحوادث المؤلمة. خصوصا في منطقة السويقة، وباب الحديد.
حرب القبضايات
يوم الأربعاء في ٣٠ تشرين الأول ١٩٧٤ استفاقت مدينة طرابلس على بلبلة أمنية، وما لبثت ان توترت أجواؤها، فأقفلت الأسواق التجارية، وخلت الشوارع والساحات العامة القريبة من الأحياء الداخلية من المارة. وأدت الأحداث الى سقوط قتيلين وأربعة عشر جريحاً، وسميّت هذه المعركة ب حرب القبضايات.
بداية الحادثة ان امرأة حضرت الى المدعو خضر زبيدي الملقب قدورة شاكية اليه أمرها باعتباره شيخ شباب الحارة، وأخبرته قصتها، وهي أن المدعو محمد برغشون يعاكس ابنتها في الشارع. تحركت نخوة قدورة، فقرر تأديب برغشون. بعد أيام، التقى قدورة المطلوب للعدالة عبد الرزاق مصطفى المحسوب علي برغشون أمام المسجد المنصوري الكبير، فأطلق عليه النار وأصابه في ساقة. علم برغشون بالأمر، فثار لحال رفيقه مصطفى، وتوجه الى المكان الذي يتواجد فيه قدورة عند مدخل سوق الصاغة في محلة النوري، حاملاً رشاش كلاشنكوف وأطلق النار على زبيدي فأرداه.
فور وقوع الجريمة انتشرت الشائعات في أحياء طرابلس الداخلية كالنار في الهشيم، فأسرع المطلوبون والمواطنون من أنصار الرئيس رشيد كرامي الى حمل السلاح، وتوجهوا الى قصر القلة، وهو مقر اقامة الأفندي، لاعتقادهم أن ثمة مسلحين يطوّقون المنزل. وقد بادر المهندس معن كرامي وشقيقه عمر الى تطمين الأنصار ودعوتهم الى ضبط النفس والتحلّي بروح المسؤولية. وقد نفى آل كرامي بشدة الشائعات، معتبرين أن القصد منها هو اثارة الفتن في المدينة.
لكن وعلى الرغم من كل جهود التهدئة، فقد اتجه الوضع للانفجار، وتطورت الأمور الى حرب شوارع وإلقاء المتفجرات ومهاجمة المسلحين لرجال قوى الأمن، مما اضطرنا الى إخلاء مخفر البلدية.
كان واضحاً ان المطلوبين للعدالة بقيادة أحمد القدور يقومون بما يشبه العصيان المسلح.
في موازاة ذلك كانت المساعي السياسية الحميدة التي يقوم بها زعماء طرابلس ونوابها ناشطة على أكثر من صعيد لتهدئة الأجواء المحمومة، وقد قام الرئيس رشيد كرامي بجولة تفقدية على الأحياء دعا فيها الأهالي الى الهدوء.
بعد مفاوضات شاقة وصعبةاستمرت ثلاثة أيام، بيننا وبين المحافظ الشيخ قاسم العماد من جهة وبين الرئيس رشيد كرامي من جهة أخرى، أجرينا في اليوم الأخير اتصالات مستمرة حتى ساعة متأخرة من الليل، لم تكن الجهات المعنية قد أصدرت بيانا توضيحيا عن المعارك التي دارت بين قوى الأمن والمطلوبين، وحده الرئيس رشيد الصلح اكتفى بالقول: إننا نتابع الموقف باهتمام، ونحاول حصره وتطويق ذيوله في نطاق القانون. ودعا محافظ الشمال مجلس الأمن الفرعي للانعقاد ومناقشة الموقف واتخاذ القرارات المناسبة لذلك، وفي الوقت نفسه كان المحافظ العماد ينقل التفاصيل الى رئيس الجمهورية سليمان فرنجيه الذي يسمع أزيز الرصاص عندما كان يتناول طعام الغداء في فترة الأعياد عند صديق له من طرابلس برفقة رئيس الحكومة رشيد الصلح، وقد أصدر الرئيسان تعليمات حاسمة بوجوب استخدام كل الوسائل الممكنة لوضع حد للتوتر المخيم على المدينة.
أرسلنا التقارير الأمنية التي تشرح الوضع الميداني لحركة المطلوبين الى القيادة في بيروت.
وضع مجلس الوزراء خطة عسكرية، وقرر اقتحام الأسواق الداخلية من قبل قوى الأمن الداخلي وبمؤازرة الجيش اللبناني، وتم ابلاغي أن بدء الهجوم سيكون الساعة صفر من صباح الأحد ٥/١/١٩٧٥، ليلاً لأن اليوم الثاني - أي الأحد - يوم عطلة، فلا مدارس ولا متاجر ولا أسواق مما يساهم في حصر الأضرار المحتملة من العملية العسكرية.
ويقول أبو زكي:
استمرت الاقتحامات في الأسواق الداخلية، وتم إلقاء القبض على عدد كبير من المطلوبين العاديين اضافة الى الأسلحة والذخائر والقذائف... واستمر تعطيل المدارس بقرار من المحافظ. ولاقت حملة القضاء علي المطلوبين للعدالة تأييداً شعبيا وسياسياً، شرط ان تكون شاملة، بجعل تدابير الأمن تشمل جميع المناطق اللبنانية التي تعاني أوضاعا مشابهة لأوضاع عاصمة الشمال، بحيث تفرض هيبتها وتوطد سلطان القانون، وعلى الرغم من صعوبة الوضع وخطورته إلاّ أن الأجواء الايجابية أعطتنا القوة والعزم علي الاستمرار في العملية وتوقيف المطلوبين الرئيسيين الذين روّعوا المدينة ومواطنيها...
بعد دخول الحملة يومها الخامس، استخدمت الكلاب البوليسية منذ الصباح الباكر، ودهمت بعض المنازل والمستودعات في أحياء الدفتردار وسوق الصاغة وطلعة أبي سمرا وحيّ المهاترة. وكان الموقوف محمد عزمي الشريف، الذي اعترف بالاشتراك في قتل الدركي محمد حسين ناصر الدين، أفاد ان القدور وجماعته لجأوا الى منطقة المهاترة. فدهمت قوة من الدرك والمغاوير المنطقة وأرشدتها الكلاب البوليسية الى منزل مهجور عثرت فيه على ثلاثة رشاشات وقنبلتين من نوع صيني وكمية من الذخيرة.
ووقع رجال الأمن بعد الظهر على أول صيد ثمين من رؤوس المطلوبين، إذ وردت اخبارية تقول ان المطلوب فيصل الأطرش مختبئ في مستودع للحديد في شارع سوريا في محلة باب التبانة. فقمت بمساعدة قائد المفرزة القضائية الرائد بدر الغزال على رأس قوة من الفرقة ١٨ والمغاوير بحملة، وطوقت قوة من الجيش الحي المذكور، واقتحمت المستودع، وأنذرت المطلوب الأطرش فرفع يديه مستسلماً، وأقتيد الى الثكنة العسكرية بعد أن صودر منه مسدسه الحربي و٤١ قذيفة وموسى حلاقة، وكان قد حلق شاربيه تخفياً.