أكّد المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم أنّ "أحمد الأسير صيد ثمين، وكذلك اسراره"، وقال: "نحن لا ننتظر معادلة 6 و6 مكرّر للقبض على إرهابي. وتوقيف الأسير عمل إستباقي حمى لبنان من تحريكه خلاياه".
وأشار في العدد الرابع والعشرين من مجلة "الامن العام" والذي تضمن ملفات خاصة أهمها توقيف الارهابي الفار أحمد الاسير وإحياء العيد السبعين للمديرية العامة للامن العام، إلى أنّ "توقيف الأسير كان عملية أمنية نظيفة، شكلت انجازا للمديرية لم يتنكر له احد". وإذ أوضح أن "المهمة نفذتها المديرية من دون تعاون مسبق مع أي جهاز أمني محلي أو خارجي، وليس لدينا ما يدعو الى الخجل من أي تعاون، لو ساعدنا أحد لما انكرنا تدخله، المساعدة لا تأتي إلا من باب التبادل في ما بيننا"، كشف أنه شكلّ خلية أمنية لسنتين خلت تولت مراقبته، وتعقبت تحركاته الى ان وقع في القبضة، مشيرا الى أن "ليس ثمة رجل خطير أو مطلوب ليس تحت المراقبة والمتابعة". وقال: "عندما تكون يد الأمن قصيرة تطول أيدي الارهاب والمخلين بالاستقرار والامان".
وإذ لاحظ أن البعض "اشاد بالعملية واستعملها في السياسة"، قال: "نحن نشتغل في الامن بحرفية ولا نرى في اي مُلاحَق دينه او مذهبه. لا استطيع القول لمجرم ما، سنحت لي الفرصة لالقاء القبض عليه، إذهب الى بيتك وانتظر حتى اوفر التوازن المطلوب في الاجرام كي اوقفك معه". ونفى أي علاقة للمخيمات الفلسطينية بتوقيف الأسير أو تعاونها في ذلك، رغم انه سبق ان طلب من قياداتها تسليمه الى الدولة اللبنانية في ضوء معلومات اكدت وجوده في مخيم عين الحلوة، الا انها لم تستجب.
وفيما يلي الحوار مع اللواء ابراهيم:
* هل ثمة رواية رسمية عن توقيف أحمد الاسير؟ ما أهمية ما حصل؟
-أعتقد ان من المبكر جدا الحديث عن رواية. مثل هذه الروايات يحتاج الى سنوات كي تتكشف كل الحقائق. لكن ما اريد قوله في علم الامن وعالمه، ان ما حدث كان عملية نوعية نظيفة لم يصب بها احد، ولم يجرح احد، ولم يُقتل المطلوب كما في عدد من العمليات المشابهة. فهو خزان اسرار كما اظهرت التحقيقات الاولية معه، وقادت الى توقيف عدد من اتباعه والشبكات التي كان قد شكلها، وبينهم مَن فر. في حال الفرار يكون التعطيل قد حصل. الفار كالذي في السجن معطل الدور والمبادرة، وغير قادر على التحرك في اي اتجاه او عمل ارهابي حاضرا ومستقبلا، لأنه واقع تحت المراقبة. كما راقبنا الاسير سنتين وعطلنا قدراته الارهابية، فإن مَن هرب سيكون في وضع مماثل. كنا قد شكلنا خلية امنية قبل سنتين اسمها "خلية احمد الاسير" ضمن مجموعة من الضباط والعناصر، لها مكتب خاص وتعمل على الارض، وكنت يوميا اتلقى نتائج عملها وما جمعته من معطيات، الى ان تم القاء القبض عليه. اليوم نعمل في خلايا عمل عدة مشابهة في ملفات اخرى سوى الاسير. في البلد ارهابيون كثر تستحق قضيتهم المتابعة. ليسوا على الخطورة نفسها. لكل منهم خلية تتابع وضعه قياسا بحجم خطورته وحجم الاخطار الناجمة عنه، تتعقبه لحظة بلحظة. اناقش يوميا عمل هذه الخلايا واطلع الى التقارير الخاصة بها ونتائجها. اؤكد ان ليس ثمة رجل خطير او مطلوب ليس تحت المراقبة والمتابعة.
* هل هي ملفات خاصة بالامن العام حصرا ام ملفات مشتركة مع اجهزة امنية اخرى؟
- التنسيق بين الاجهزة الامنية قائم، وفيه فائدة مشتركة لنا والاجهزة الاخرى في آن. كما ان لدينا في الامن العام دائرة تحليل معلومات سواء التي نتلقاها من الاجهزة او نجمعها نحن ونمررها الى الاجهزة الاخرى ايضا. هي بدورها تعمل على دوائر تحليل وفق السياسة التي يرسمها رئيس الجهاز. نستفيد من تبادل المعلومات متى تم جديا. نعطيها كل ما نملكه من معلومات، ونحصل منها على معلوماتها. العمل متبادل.
* هل يمكن القول ان هذا التعاون صادق؟ في فترات اتهمت الاجهزة بأنها تتنافس وتحتفظ لنفسها بالمعلومات، ولا تتبادلها مع الاجهزة النظيرة. هل ثمة مَن يأخذ ولا يعطي مثلا؟
- استطيع القول نيابة عن الامن العام اننا نعطي كل ما نملك من معلومات، ونجيب عن اسئلة محددة اذا طرحت علينا لتوضيح نقطة ما. في الوقت نفسه لا استطيع الجزم بأن هناك جهازا لا يعطينا كل ما يملك. انا لا اتجسس عليه لمعرفة ما يملك. اكتفي بما يصل الي من الاجهزة الاخرى واعتبرها كافية، منطلقا من فكرة انهم يعطونني كما انا اعطيهم.
* ما اهمية توقيف الاسير على المستوى الامني؟ اين نقاط القوة؟ هل ان نجاحها كان رهن قوة شبكة المخبرين ام الاستطلاع ام ضعف العدو؟
- الفلسفة الامنية او العمل الامني قائم على عنصرين بشري وتقني. على المستوى التقني حققنا تقدما نوعيا في الدائرة التقنية، اما على المستوى البشري، فلدينا متعاونون كثيرون عاملون في خدمة بلدهم من باب حرصهم على أمن الوطن. استطيع القول ان لا مخبرين لدينا بل اصدقاء. بهذه الفلسفة نجمع الكثير من المعلومات ونتابع الملفات بدقة. في التقييم، قد يكون الاسير من اخطر المطلوبين، وتوقيفه انجاز للمديرية العام للامن العام لم ينكره احد، رغم ان البعض اشاد بالعملية واستعملها في السياسة. نحن ضد هذا المفهوم. نشتغل في الامن بحرفية ولا نرى في اي مُلاحَق دينه او مذهبه. لا استطيع القول لمجرم ما سنحت لي الفرصة لالقاء القبض عليه، اذهب الى بيتك وانتظر حتى اوفر التوازن المطلوب في الاجرام كي اعتقلك معه، وقد تنتظر ربما10 سنوات الى ان اكون وُفقت بمطلوب آخر من اجل التوازن المطلوب في السياسة والمذهب والدين. عندما تتوافر لجهاز امني فرصة توقيف مطلوب، فهذا انجاز للبنان وليس لطرف سياسي. بهذه الطريقة فقط ننظر الى الموضوع في معزل عمن يكون المجرم. لا علاقة لي بهويته او مذهبه. هذا الموقوف اليوم قتل18 ضابطا وعسكريا وحرق بيوتا في المعارك التي جرت في عبرا، وتضرر منه اهالي صيدا والجنوب، تاليا لبنان بأكمله على مدى فترة طويلة. اذا كانت كل هذه الاسباب لالقاء القبض عليه غير كافية في انتظار القاء القبض على مجرمين آخرين، فذلك يعني ان ثمة مشكلة في وطنية هؤلاء الناس.
* ما هي نقطة الضعف التي اوقعت احمد الاسير؟
ـ السرية المطلقة في متابعة حركته كانت اكبر نقاط قوتنا. استطيع التأكيد ان عناصر الخلية التي تحدثت عنها وكانت مكلفة ملاحقته، لا احد يعرف ضباطها وعناصرها في المديرية حتى، ولا ما تفعله وتقوم به، وهي مرتبطة بي مباشرة. لذلك اقول ان السرية اساس النجاح في مثل هذه العملية. مَن يعمل في الامن قد ينتظر عشر سنوات خطأ او هفوة يرتكبها المُلاحَق لالقاء القبض عليه. عليك ان تكون جاهزا لاستغلال هذه الهفوة في لحظتها. متى لم تكن كذلك بما فيه الكفاية على مدى 24 ساعة تفوتك الفرصة، ولن تتمكن من استثمار اي خطأ يرتكبه هذا المطلوب الارهابي او المجرم. لذلك عليك ان تكون واعيا، وعيونك مفتوحة24 ساعة على 24 وسبعة ايام على سبعة ايام لاقتناص الفرصة المناسبة للانقضاض عليه.
* قيل عن تعاون مع قيادات فلسطينية في مخيم عين الحلوة سهّل القبض عليه؟
- سبق ان طلبنا من الفلسطينيين التعاون، وابلغنا اليهم ان الاسير موجود في المخيم في الوقت الذي كان بعض الناس يقول انه في الشمال او سوريا او القلمون. كنت مصرا على ذلك بناء على معلومات تقول انه في المخيم. سبق ان طلبنا من الاخوة الفلسطينيين تسليمه الى الدولة اللبنانية، وهو طلب طبيعي. هناك قوة امنية فلسطينية ومرجعيات في المخيم قادرة على القيام بهذا العمل. لكن لاسباب تتصل بتعقيدات داخلية في اوضاعهم لم يستطيعوا تنفيذ هذه المهمة. نحن قمنا بما علينا القيام به وطلبنا منهم وقلنا لهم شكرا. اما توقيفه والمعلومات التي قادت اليه، فلم تكن للفلسطينيين اي علاقة بها من قريب او بعيد. كما سبق وكررت مرارا هذا جهد للمديرية العامة للامن العام وحدها.
* ألم يكن من دور لجهاز امني غربي؟
- ابدا ابدا. سبق ان قلت عند القيام بعملية توقيف الاردني عبد الملك عبد السلام التي ادت الى توقيف شادي المولوي منذ حوالى سنتين، ان ثمة دولة كبرى واجهزة صديقة ساعدتنا فيها، ولم نخجل. الآن ليس هناك ما يدعو الى الخجل. لو ساعدنا احد لما انكرنا تدخله. المساعدة لا تأتي الا من باب التبادل في ما بيننا. نحن لا نأخذ معلومات من الاجهزة الصديقة ولا نعطيها. هناك تبادل معلومات وتبادل مصالح. اقمنا شبكة علاقات في المديرية على مستوى الكرة الارضية ولم نتوانَ عن استثمارها كلما سمحت الفرصة بذلك. نحن نعتبر ان الحرب على الارهاب عالمية، واذا لم نواجهه كدول معرّضة لهذا الارهاب متحدين، لا استغرب ان يغلبنا بالمفرق دولة وراء دولة. انطلاقا من هذه الفلسفة نتعاون مع الدول في اطار محاربة هذه الآفة. في العملية الاخيرة لم يرفدنا احد بأي معلومة على المستوى الخارجي.
* كنت تحدثت في ما مضى عما يمكن تسميته "الامن الاستباقي". هل تعتبر توقيف الاسير من اشكال هذا الامن؟
- اكيد. ما حصل عمل استباقي حمى لبنان من امكان تحريك احمد الاسير خلاياه من خارج البلد. كان هناك احتمال تحريك خلايا في الداخل عندما كان في وضع مريح. الا اننا عطلنا حركته طوال سنتين. لو نجح في الفرار الى خارج البلد، فإن ذلك يتيح له استعادة حرية الحركة. تاليا سيكون اكثر قدرة على تحريك خلاياه والقيام بعمليات ارهابية. ظهر في التحقيقات انه تمكن من نقل عبوات من الشمال الى صيدا، وكانت لهذه العبوات مهمات ووظائف. لذلك نعتقد ان ذهابه الى البلد المقصود يرمي الى تحريك خلاياه في لبنان وادارتها واستئناف مخططاته بحرية اكبر. عطلنا هذا الامكان نهائيا، ونحن ننسق مع الدولة التي كان الاسير سيقصدها، اي نيجيريا، لأن ثمة مَن كان سيحتضنه هناك، وسنزود النيجيريين ما نملك من معلومات.
* هل انتهت ظاهرة احمد الاسير؟
- من دون شك. فككت شبكاته. لكن العمل الامني لوحده لا يكفي. من المهم تثبيت الامن في البلد من خلال توعية الشباب المنجرفين باندفاع عن اقتناع او عن مصلحة شخصية او مالية ظرفية الى الانضواء في تنظيمات ارهابية. العمل الوقائي يبدأ من تثقيف هؤلاء الشباب وتوجيههم في الاتجاهات الصحيحة.
* الرجل صيد ثمين. هل كانت اسراره ايضا؟
- طبعا. كان صيدا ثمينا، واسراره ايضا صيد ثمين، لكن اهميتها تنتهي عند احالته على المحكمة. نحن نحتفظ بهذه السرية من اجل ان نحقق الاهداف التي رسمناها منذ توقيفه. هناك عمل كبير لا يزال مطلوبا جراء هذا التوقيف، والسرية مطلوبة الآن الى ان تصبح كل الوقائع علنية امام المحكمة .
* رغم اشادته بالتوقيف حاول البعض القاء نوع من الظلال عليه. لماذا احمد الاسير وهناك مطلوبون ومجرمون كثيرون فارون واحرار؟
- قيل الكثير في السابق في موضوع راهبات دير سيدة معلولا وانهن سوريات، ولا دخل لنا بهن. هذا النوع من الاقاويل صار وراءنا ونسيناه. غالبية الشعب اللبناني ومَن زارنا من مسؤولين اجانب حمل الينا التهنئة على هذا الإنجاز الانساني الكبير. قالوا ان الراهبات سوريات، وقلنا ان من اختطفهن مجرم ما ان تحين الفرصة لالقاء القبض عليه او اي مجرم علينا استغلالها، ولا ننتظر تحقيق معادلة 6 و6 مكرر. مهمتنا في لحظة الحقيقة ان نوقف مَن نصطاده فورا ايا يكن او حاول التواري.
* الى اي مدى انت فخور بدور الامن العام؟ كنتَ تشدد على الادوار الادارية والامنية والسياسية معا. الى اي مدى تقدّم دوره الامني؟ هل باتت ذراعه طويلة الى هذا الحد؟
- يده طويلة وقصيرة في آن. عندما تكون يد الامن قصيرة تطول ايدي الارهاب والمخلين بالاستقرار والامان. انا فخور بان المديرية العامة للامن العام اليوم في مصاف الاجهزة الامنية العالمية المقدّرة. قرأت في الصحف بعد اعتقال الاسير مقارنة تحدثت عن "بن لادن العالم" و"ابوبكر العراق" و"احمد الاسير لبنان". بات في مصافهم. هذا بالنسبة الي موضع فخر، والفضل يعود الى حضور ضباط المديرية وعناصرها وسهرهم. من المؤكد انهم يلتزمون السياسة التي يرسمها المدير. لكن، لو لم تكن لديهم ارادة العمل لكانت توجيهاتي ذهبت هباء. اثني على عملهم وافخر بالضباط والعناصر ليس الذين قاموا بالعملية فحسب، بل الجميع مهنئا اياهم على اخلاصهم وتفانيهم، وادعوهم الى مزيد من العمل والانجازات لأن ثمة الكثير الذي لا يزال مطلوبا منا.
* اصبح الامن الاستباقي اساسيا وجوهريا في مهمة الامن العام لمواجهة الارهاب. ماذا عن الشق الاداري؟
- كل ما يقوم به الامن العام انه يمارس صلاحياته المنصوص عليها في قانون انشائه. هو مسؤول عن كل ما يمس امن الدولة الداخلي والخارجي. نحن نمارس هذا الدور وفق ما حدده القانون وطبق صلاحياتنا لا اكثر ولا اقل. استطعنا في اربع سنوات ابراز الدور الامني للمديرية لأن الوضع في البلد يحتاج الى ان تضطلع بهذا الدور، وهي جاهزة له. موضع فخر لنا ان يكون منوطا بنا حماية اللبنانيين ومصالحهم ودمهم. ها نحن نستعد في العيد السبعين للمديرية لرفع شعاراتنا على الطرق تقول "تعلن المديرية العامة للامن العام التصميم على المثابرة حتى النهاية". اثبتت قضية الاسير في شكلها ومضمونها وتوقيتها اننا لا نرفع شعارات بلا افعال. على المستوى الاداري استطيع القول ان الخطة الخمسية التي وضعناها شارفت على نهايتها، ونحتاج الى السنة الخامسة للانتهاء منها. خطة لا علاقة لها بالامن. فصلنا الشق الامني عن الاداري والسياسي. لكل من هذه الثلاثية مَن يديره ويرعاه الى النهاية.
(مجلّة الأمن العام)