مَن منّا لا يؤيد الحوار، أيّاً كان شكله ومستواه، ومَن منّا لا يأمل في أن يكون أيّ حوار مثمراً وذي جدوى، ومَن منّا يعارض لمجرد المعارضة، إن لم نقل المشاكسة والسير عكس التيار؟
أمّا إذا كان الحوار من أجل الصورة فقط كما كان يحصل في الجلسات الاربعين السابقة، فكلنا سنقف ضده وسنكون إلى جانب الحراك الشعبي، ونحن في الاساس معه، على رغم بعض الملاحظات التي سبق أن أبديناها، من أجل تنقيته وتصويب بعض مساراته، وهو بدأ بتجنبها.
فإذا لم يخرج المتحاورون من مجلس النواب، وفي الجلسة الاولى بما يشي بإمكانية إيجاد الحلول السريعة لمطالب الذين نزلوا إلى الشارع، ولو بحدّها الادنى، وإذا لم يتبنوا هذه المطالب ويجعلوها من أولوياتهم ويقرنوها بآلية تنفيذية مرتبطة بروزنامة محدّدة بالتواريخ، فإنهم يكونون كمن يصّب الزيت على نار الشارع، ويراكم خيبات الامل، ويعطيه اسباب الاستمرار في المواجهة.
قد يكون من الصعب، لا بل من المستحيل، أن يصل المتحاورون وفي الجلسة الاولى، إلى ايجاد حلّ عجائبي للازمة الرئاسية، وقد يكون متعذراً عليهم التوافق على قانون جديد للانتخابات النيابية وفق النسبية، وقد يكون الوقت لم يحن بعد للبحث في قانون استعادة الجنسية أو التطرق إلى موضوع اللامركزية الادارية، ولكن من المؤكد أن المجتمعين قادرون على الاتفاق على آلية تعزيز الجيش والقوى الامنية. ومن هنا يجب أن تكون البداية لأنطلاق البحث الجدّي في أولويات المطالب الشعبية، وعلى رأسها ايجاد حلّ سريع لأزمة النفايات، التي شكّلت شرارة الحراك الشعبي، ومن ثم جدولة المطالب الاخرى، وهي لم تعد لغزا متى توافرت الارادة. وعليه يمكن البحث في الطريقة الفضلى لتفعيل عمل مجلسي النواب والوزراء.
صحيح أن أولوية الاولويات تبقى أزمة رئاسة الجمهورية، وصحيح أيضاً أن التوافق على قانون جديد للانتخابات يبقى هاجس الهواجس، ولكن إذا تعذّر ذلك فهل تُترك البلاد مشرعة الابواب على شتى الاحتمالات؟
فأزمة النفايات لا تحتاج إلاّ إلى قرار بالتخلي عما يسمى محاصصة وتقاسم المغانم، وكذلك الحال بالنسبة إلى أزمة الكهرباء وغيرها من الازمات غير المستعصية.
لتكن البداية من النهاية، أي من حيث كان محرّك التظاهرات، وقد يكون ما توصّل إليه وزير الزراعة يشكّل بداية البدايات.