كان ذلك قبل نصف قرن.
دخلت الى مكتبه في الصنائع.
وجدته، في صخبه وحيويته، انساناً لا يهدأ.
بادرني: الحياة وقفة ضمير.
وأجبته بأنه ضمير لبنان.
وعقب: هل هذا تعبير اعلامي؟
ورددت عليه: بل هو كلام انساني.
غادرت مكتبه وتركته يغرق، في حفنة من الأوراق، وهو يردد بأن لبنان حق عند الناس.
وواجب من أبنائه تكريمه.
وهو حقيقة لبنانية أيضاً.
وباختصار: انه الضمير.
بعد سنوات التقيته في منزل محام كبير هو الكتلوي العريق جان حوّاط، الذي زرع جبيل أصالة الحرف ونباهة الكلمة.
سألته: ماذا بوسعكم أن تقولوا فيه.
ورد باقتضاب: كان والدي نسيب الحوّاط يردد دائماً، بأنه ما دام في لبنان ضمير، فان جبيل تبقى ضمير لبنان.
***
منذ نحو عشرين عاماً، قصدناه في باريس الزملاء توفيق خطاب، مارون حبيقة وكاتب هذه السطور.
وجدناه، كعادته، غارقاً في بحر من قصاصات الورق.
سأله المرحوم توفيق خطاب، لماذا لا تعمل رئيساً للجمهورية، وتجعل ضمير لبنان، يتربّع على السدّة الرئاسية الأولى.
ورد: هل تصنع الجمهورية رئيساً لبلد صعب المراس، مثل لبنان.
وأردف: كبّروه وبقي بحاجة الى تكبير، وصغّروه، لكن لبنان الصغير لم يصغر. الأزمات تبدو أكبر منه.
صمت قليلاً وأضاف: اسرائيل تتربّص به شرّاً وعدواناً. والسياسيون فيه ضائعون بين أحلامهم ونياتهم. والمواطن، وحده فيه وطن وبلد.
راودتني هذه الأفكار، والناس ذاهبون الى جبيل، لحضور دعوة رئيس المجلس البلدي في مدينة بيبلوس، لازاحة الستار عن النصب التذكاري لضمير لبنان العميد ريمون اده، في الحديقة العامة لعاصمة الحرف والكلمة.
كان أول من أطلق لقب ضمير لبنان على العميد هو الكاتب الكبير ميشال أبو جوده. وهو يرمز الى النزاهة، والتجرد والاستقامة كما يصفه الباحث السياسي نبيل خليفة.
ويقول فيه انه استحق لقب ضمير لبنان، لكونه رجل الوطنية، لأنه ظلّ طوال حياته ساعياً الى بناء دولة القانون.
ولو قامت في لبنان هذه الدولة، هل كان هذا الوطن جمهورية زبالة، وهو على مدى حقبات عدواً لاسرائيل، ومناهضاً لكل وطن غريب.
ربما، بقي سلبياً لا ايجابياً، ازاء الطموحات، لكنه لم يطمح إلا لوطن نزيه.
ولم يسع إلاّ الى نظام ديمقراطي.
ولم يفكر إلاّ في وطن للحرية.
من أجل هذه القيم، ترفع بلدية جبيل، بيبلوس القبعة عن رأسها، تحية الى زياد حوّاط، هذا الانسان الشاب الذي وضع أمام عينيه القيم الانسانية التي رعاها العميد ريمون اده.
قبل أشهر اجتمع لبنان، في معظمه في بيت المحامي، ليشاركوا حاكم أندية الليونز لويس بو فرح، في تكريم ضمير لبنان في المنطقة ٣٥١ لبنان، الأردن وجبيل.
وهو، يقود مبادرة في تكريم الأوطان.
وكان ريمون اده عنوانها والمثل والقدوة.
وجبيل، مدينة الحرف وعاصمة الكلمة، ورائدة الحريات، تجد نفسها كبيرة مع زياد حوّاط، وهي تكرّم عميد القانون، وقد أضفى عليه علماً، ونزاهة وتجرداً، ليصبح الانسان على الشاطئ، جبلاً عالياً لا يتسلقه إلاّ الكبار!!
الناس، من كل حدب وصوب، دأبوا على زيارة جبيل.
وتعودوا أن ينهلوا من مدينة الحرف، أرقى ما يشربونه.
لكنهم رفعوا قبعاتهم عن رؤوسهم ليقولوا لزياد حوّاط شكراً.
ومن مناهل الأدب والثقافة، يكفي جبيل فخراً، ان رئيس بلديتها يكرّم ضمير لبنان، ويقيم له نصباً تذكارياً.
وان من سبقه في منصبه السيد جينوا كلاّب، أقام تمثالاً لكبير أدباء لبنان ونقّاده مارون عبود في منتصف حاضرة جبيل.