إختبار مزدوج تعيشه محطة التاسع من أيلول، الأول لأركان طاولة الحوار بطبعتها الثالثة ومدى قدرتهم على لبننة استحقاقاتهم، ومقاربة خلافاتهم داخل المؤسسات وليس في ساحات القتال كما يحصل في مشاهد الجوار والأقاليم، والإختبار الثاني هو للحراك المدني بكل أطيافه ومسمياته ومدى قدرته على إحداث فرق، وعلى اختراق الأسوار والجدران العالية، وإيصال صوته إلى الطابق الثالث من المجلس النيابي حيث يجلس المتحاورون، وبالتالي فرض أجندته على الطاولة كأولوية الأولويات، ولاسيما أنه يمثل مشهداً شعبياً متحرراً من التبعيات غاب عن مشاهد الحوارات السابقة في المجلس النيابي عام 2006 وفي قصرا بعبدا عام 2008.
مع أن التجربتين السابقتين لا تدفعان باتجاه الأمل بأن يخرج المتحاورون بحلول سحرية، إلاّ أن خيبات أمل جديدة من شأنها أن تعقد الوضع أكثر، وسط انشغال الخارج بأزمات أكثر تعقيداً وحماوة، حتى أن أزمة النازحين السوريين علىِ أهميتها باتت تتقدم الملف اللبناني في أجندات عواصم القرار.
نائب من فريق الثامن من آذار بدا متشائماً في امكان إحداث خرق في جدار الأزمة "بعدما ذهب الفريقان بعيداً في طروحاتهم المتناقضة"، معرباً عن خشيته من جلسة يتيمة أو جلستين ينفرط بعدها عقد المتحاورين، ولكن يقول مستطرداً "الحوار ضرورة وواجب، وإلاّ فما البديل"؟ الكل مرتهن للخارج إلى أقصى الحدود يضيف المصدر "ولا يملك أي فريق رصنه بيده".
الشغور الرئاسي أو بند "السهل الممتنع" من شأنه أن ينجح الحوار وينقذ المتحاورين ووطنهم أو ينعيه. ولا يحتاج لإنجازه سوى تخلي المتحاورين عن مرشح فريق لصالح مرشح توافقي، بعدما فشل "المرشحان القويان" في الوصول إلى قصر بعبدا على رغم جولات الترغيب والترهيب. ولكن هل الإرادة موجودة لهكذا تنازل؟
صحيح أن المتحاورين والمتخاصمين سيتواجدون ضمن مساحة زمنية ومكانية واحدة، يتبادلون المصافحات والأحاديث وربما الإبتسامات، ويشيرون إلى الحراك الشعبي في الخارج، إلا أنّ جبالاً من التناقضات تفصل فيما بينهم.
مكونات الرابع عشر من آذار بدت متوافقة فيما بينها على أولوية انجاز البند الرئاسي قبل الإنتقال إلى غيره من البنود، وإذا تعذر التوافق ستتجه للإنسحاب من الحوار، ونقطة على السطر كما يقول مصدر نيابي. فريق الثامن من آذار يملك أولويات مختلفة، قانون انتخابي بعده انتخابات نيابية ثم رئاسية. أما الفريق الوسطي صحيح أنه لا يدخل الحوار متبنياً أي من الأجندتين إلا أنه لا يملك القدرة على اقناع أي من الفريقين بأجندة الوطن الواحدة.
الشكوك التي تسبق الحوار وتحوم حوله، ليست من باب التشاؤم كما يصف مصدر نيابي وسطي، بل انطلاقاً من أولويات متناقضة ولاسيما حول بندي رئاسة الجمهورية وقانون الإنتخاب، فضلاً عن غياب الراعي الدولي والإقليمي، وأن رحب ممثلو الدول بالخطوة الحوارية هذه.
ضباب رملي يرافق الجولة الأولى من الحوار عسى ألاّ يعكس نفسه على المشهد الحواري، وعسى ألا يحجب الجنون الرملي الرؤية السياسية.