يرى بعض المتتبعين للحراك السياسي ان المواقف التي أعلنها رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع في خطابه السبت الماضي وأكد فيها مقاطعة الحوار معتبرا اياه مضيعة للوقت، ثم سافر في اليوم التالي الى قطر، إنما كانت "نعياً غير رسمي" لفريق 14 آذار الغارق في تناقضات وخلافات بعضها معلوم والبعض الآخر صامت.
ويقول مرجع سياسي لـ"
لبنان 24" ان جعجع رفض الحوار خلافاً لرأي حلفائه الذين أيدوه، اذ بادر الى هذا الموقف من دون أن يستشيرهم مسبقاً تماماً مثلما كان تفرّد في إعلان ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية قبيل انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان العام الماضي، حيث لم يستشرهم، فترشح وجذبهم بقوة الأمر واقع الى تبني هذا الترشيح على رغم اقتناعهم بأن هناك استحالة في امكان فوزه بالرئاسة، وبعضهم أيد ترشيحه ليس تأييداً له وانما لانهم إكتشفوا أن ترشيحه يعطل ترشيح العماد ميشال عون ويمنع وصوله الى سدة الرئاسة. علماً ان الفارق بين عون وجعجع هو ان غالبية أطراف فريق 8 آذار تؤيد الأول ولا يمكنها ان تقبل بالثاني، فيما غالبية أطراف فريق 14 آذار لا تقبل جعجع ضمناً ولا تؤيد عون علناً، ولكنها أيدت ترشيح جعجع في العلن لأنه يمنع فوز عون وكذلك يمنع فوزه هو شخصياً، فالبديل من عون سيكون ذهاب الفريقين الآذاريين عاجلا أم آجلاً الى الاتفاق على مرشح توافقي لن يكون جعجع بالتأكيد.
ويضيف المرجع معلقاً على تسابق أطراف فريق 14 آذار وعلى رأس هؤلاء كتلة "المستقبل" الى التأكيد والاشتراط ان تكون مهمة طاولة الحوار الأولى الاتفاق على انتخاب رئيس الجمهورية، لا يعدو كونه مزايدات بعضهم على بعض، لأن جعجع الذي قاطع الحوار حدد لهم بهذه المقاطعة سقف موقفهم، وهو التمسك بأن تكون مهمة الحوار محصورة ببند رئاسة الجمهورية وان يكون انتخاب رئيس الجمهورية الجديد المدخل الى كل الحلول، وبهذا الموقف يكون جعجع جذبهم جميعا اليه وجعلهم ناطقين بإسمه وإرادته على طاولة الحوار، التي يقاطعها حضورياً ولكنه يشارك فيها سياسياً من خلال ذلك الموقف.
ويضيف المرجع: "إنتظرنا من تيار "المستقبل" ان يأتي بجعجع الى الحوار فإذ بالأخير يأخذه في الموقف الى معراب".
ولا يخفي جعجع وجود خلاف عميق منذ ترشحه للرئاسة وحتى ما قبله بينه وبين زعيم تيار "المستقبل" الرئيس سعد الحريري، وهو خلاف تصاعد بعد زيارته الاخيرة للمملكة العربية السعودية التي حظي خلالها بحفاوة كبيرة أثارت استياء شديدا لدى الحريري وبعض أركان "المستقبل" فضلاً عن استياء رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط ايضاً. وينتظر ان يكون هذا الخلاف قد تصاعد أكثر فأكثر بعد زيارته الحالية لقطر والحديث عن زيارته لدول خليجية أخرى بعدها. لأن الحريري بدأ يشعر ان جعجع يتجاوزه ويملأ فراغاً لم يعره الاهتمام الكافي في ما مضى من سنوات، بل يحقق خليجياً على حسابه وهو حضور عجز هو عن تحقيقه شخصياً على رغم إقامته شبه الدائمة في الخليج خصوصا، وفي الخارج عموما منذ إسقاط حكومته أواخر علم 2010، إلى درجة ان بعض القيادات السياسية النافذة في البلد علقت على زيارة جعجع لقطر بعد زيارته الشهيرة للسعودية بالقول ان الرجل "أصبح الزعيم اللبناني الأول عند العرب"!؟.
ويقول المرجع السياسي اياه ان الحريري الذي يكاد زمام تيار "المستقبل" يفلت من يده نتيجة النزاعات بين مراكز القوى التي نشأت فيه بقعل غيابه عن الساحة، وبفعل ما يواجهه من صعوبات سياسية ومادية، يشعر أيضاً ان زمام فريق 14 آذار بدأ يفلت، وربما فلت، من يده أيضاً، فجعجع بحزبه "القوات اللبنانية" بات يغرد خارج السرب الـ 14 آذاري، بل انه بات في وضع لم يعد في حاجة إلى هذا الفريق ليعزز حضوره داخلياً وخليجياً وعربياً، إذ بات يملك مباشرة المصادر التي تغذيه مادياً وسياسياً من دون المرورو بـ"القناة الحريرية" أو غيرها. و"حزب الكتائب" يميل يميناً وشمالاً محاولاً تمييز نفسه في الموقف مسيحياً عن "القوات" و"التيار الوطني الحر" وسياسياً عن 14 آذار. وهذا ما يثير خوفاً لدى الحريري من فقدان الحليف والغطاء المسيحيين ما يجوف فريق 14 آذار ويحولها ذات لون طائفي ومذهبي معين.
ولذلك يعتقد البعض انه قد يكون من حسنات الحوار، سواء نجح او تعثر، او حتى فشل، انه قد يلغي اصطفافات سياسية وينشىء أخرى، أما سيئاته في حال فشله فقد تكون تكريس الاصطفافات القائمة والتي حالت ولا تزال دون حل الازمة اللبنانية بدءا بالاتفاق على انتخاب رئيس الجمورية العتيد.
ويرى هذا البعض انه أياً كانت نتيجة الحوار فإن 14 آذار لن تعود كما عرفها اللبنانيون، وإن 8 آذار أيضاً لن تعود كما عرفها اللبنانيون، لأن الحل اللبناني الذي يخطط له الكبار في الاقليم ودوليا سيطيح كل الاصطفافات السياسية القائمة، خصوصا اذا فُرِضَ هذا الحل على الجميع "قدراً لا يرد".
(خاص "
لبنان 24")