في تقرير صادر عن رئيس بعثة دبلوماسية أميركية سابق تناول فيه ما يلي:"...ونظراً لضرورة استبعاد امكانية إعادة اللاجئين الى الكيان الصهيوني يجب التخطيط لاعادة توطينهم في الدول العربية وبخاصة العراق وربما سوريا "، تطابق ما ورد في هذا التقرير مع ما كشفه المرحوم الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين في مقابلة أجرتها صحيفة "السفير" سابقاً معه تحدث فيها عن وجود مشروع لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في العراق وقال فيها "ان القاصد الرسولي ممثل الفاتيكان السابق في بيروت "بابلو بوانتي" أبلغه عام 1997 أن لدى دوائر الفاتيكان معلومات جدية عن مخطط لنقل مليونين من اللاجئين الفلسطينيين المنتشرين في جهات عدة خارج بلادهم إلى العراق". مضيفاٌ بأن القاصد الرسولي "كان يتحدث عن مشروع دولي وأن ثمة جهود حثيثة تبذل لتأمين الأموال اللازمة بعد تمهيد الجو السياسي".
مناسبة التذكير بهذه المعلومات هي الأبواب العليا الأوروبية المفاجئة التي فتحت بعد أكثر من أربع سنوات من الصراع الدامي أمام "النازحين" السوريين مصحوبة بالأمس بدعوة الأمم المتحدة أوروبا،على لسان المتحدثة باسم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين "ميليسا فليمنغ" في إفادة صحافية لها في جنيف، إلى "إتاحة نظام مضمون لإعادة توطين اللاجئين السوريين".
هذه الحفاوة الأممية والدولية لا يمكن قراءتها من الزاوية الانسانية فقط بمعزل عن المصالح السياسية التي تتحكم بمسار الدول وسلوكهم سيما وان الواقع الاوروبي مازال يحاول لملمة تداعيات الضائقة الاقتصادية التي تعاني منها دوله، وربما ما جاء على لسان المستشارة الالمانية "انجيلا ميركل" في احدى تصريحاتها قد يحمل الجواب الشافي على خلفيات هذه التحولات المفاجئة على خط الازمة السورية، والتي قالت فيه "إن ما يجري سيغير البلاد في السنوات القادمة" مضيفة "لكن نريد أن يكون هذا التغيير إيجابيا ونعتقد أن بوسعنا تحقيق ذلك".
اذاً هو تغيير ايجابي بنظر المستشارة الألمانية "ميركل" وله أسبابه بالطبع، ولكن ما هو التغيير الذي سيحمله لسوريا؟ وهل هناك من مخطط خطير يختبىء خلف "اغراءات" الغرب الانسانية؟
لاشك ان المساحة الزمنية الفاصلة عن دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ بدأت تتقلص، وبدأت تتقلص معها خيارات الحل، لتنحصر بين خيار تقديم التنازلات او خيار الذهاب حد "كسر العظم"، وما بين هذين الخيارين مجموعة أوراق هامة بيد طرفي الاتفاق النووي "الأميركي" و"الايراني"، وكلا الطرفين يسعى لابعادها قدر المستطاع عن الاحتراق مستعينا بـ "فزّاعته" عند كل عرقلة، وأمام هذا الواقع يبدو ان الطرف الاميركي سيسعى إلى الاستعانة بفزاعته أي" العدو الاسرائيلي"، انطلاقا من معرفته المسبقة بما لدى "العدو" من أوراق خطرة يمكن الاستفادة منها في تحقيق مرتجاه، وقد يكون أخطرها " قضية اللاجئين الفلسطينيين" ونوايا العدو المزمنة ورغباته ومخططاته الساعية دوما لتوطينهم في الدول العربية وبصورة منتظمة، من هنا تأتي امكانية عودة ورقة "التوطين" الى الواجهة من جديد، عبر السعي الاميركي لاستخدامها كوسيلة ضغط تمكنه في هذه المرحلة من تأمين عبور آمن للاتفاق النووي بأقل خسائر ممكنة، ويمكن قراءة مؤشرات هذا التوجه، من التوقيت المفاجىء الذي فتحت فيه أبواب اللجوء الأوروبي أمام النازحين السوريين والتقديمات والاغراءات التي ستمنح لهم، والتي تخفي بدورها مخطط قائم على سيناريوهين، تجري حياكتهما على خط حل الازمة السورية وهما:
الأول: التلويح باقتراب الحسم العسكري في سوريا في اطار الضغط على الجانب الايراني لتقديم تنازلات معينة فيما يتعلق برأس النظام السوري مقابل تعبيد طريق فك عزلة ايران، وفي هذا الإطار ترددت في وسائل الاعلام أنباء تفيد عن وجود استعدادات عسكرية روسية للتدخل في سوريا، وشروع موسكو بإرسال خبرائها ومستشاريها العسكريين إلى مطار اللاذقية، بالمقابل تحدثت أنباء أخرى عن بدء فرنسا وبريطانيا الاستعدادات لقصف سوريا تحت دعوى "محاربة داعش على الأراضي السورية".
والثاني: في مقابل تمرير الاتفاق النووي، العمل على تقديم تطمينات تصل الى حد التعويض للعدو الاسرائيلي عن فشله في التخريب على الاتفاق النووي، عبر تكريس اللجوء السوري بدعم أميركي وغطاء دولي في اطار ضرب النسيج الديمغرافي السوري والتفريغ الجزئي لساحاته من أهلها وتهيئتها لواقع جديد يعود من خلاله سناريو نقل اللاجئين الفلسطنيين الى سوريا إلى الواجهة، على غرار السناريو الذي كان يحاك في العراق. وما يؤكد على وجود هذه النوايا ما تناقلته الصحف نقلا عن مصادر،عن حصول اتصالات ولقاءات سرية مؤخرا بين واشنطن وتل أبيب تتعلق بملف الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وتهدف الى ايجاد أفكار لصياغة حل لهذا الصراع، مؤكدة على "أن الجانب الفلسطيني سيدفع ثمن تمرير الاتفاق النووي الايراني على جبهة الصراع مع اسرائيل".
(ميرفت ملحم ـ محام بالاستئناف)