هذا العام لم يكن كالأعوام الأربعة السابقة. موجةٌ بشريّة كبيرة تعبر البحر في محاولة للوصول إلى أوروبا. استنفار كامل لوسائل الإعلام. موجة اللجوء تجتاح أوروبا، ولكن ثمَّة أسئلة كثيرة لم تجب عنها معظم التقارير حول "الظاهرة". كما ثمَّة أسئلة أخرى لم تُسأل حتّى، حالها كحال الملايين ممَّن يعيشون في الداخل السوري، يواجهون الموت بشتى أنواعه، وبرغم ذلك يتشبثون بأرضهم، فلماذا يهاجر من يهاجر؟! ولماذا يرفض الهجرة من أصر على البقاء؟!
المهاجرون.. اللاجئون
حسام، ابن ريف حلب الشمالي، المعارض للنظام، والذي قاتل مع فصيل مسلَّح قرابة السنة قبل أن يغادر سوريا إلى تركيا، ويصل قبل أشهر إلى ألمانيا، لا يجد عناءً في الإجابة عن الأسئلة: "هاجرتُ لأنّني لا أستطيع العيش في وطني". يقول خلال حوار مع "السفير" إنّ "الثورة سُرقت، سرقها المتشدّدون"، ويتابع "لم أعد أستطيع العودة إلى سوريا، كما أنَّ بقائي في تركيا يعني أنَّني أقتل الوقت فقط، هنا أستطيع أن أغيّر حياتي، أتعلّم الآن اللغة الألمانية، وقد أجد عملاً وأستقرّ هنا". يضحك حسام لدى سؤاله عن الراتب الذي يتقاضاه من الحكومة الألمانية كمساعدة شهرية: "الراتب كافٍ، أكبر من راتبي عندما كنت أقاتل في سوريا". يبدو من حديثه أنَّه حالم، يخفي حنينه إلى سوريا، إلّا أنَّ مجرّد المقارنة بين "هنا"، يقصد ألمانيا، و "هناك" أي سوريا، يفشي الحنين والتعلّق بوطنٍ غادره. ينتظر حسام وصول شقيقه الصغير خلال الأسبوع المقبل، كما يقضي معظم وقته مع أربعةٍ من أصدقاء سافروا معه، لا يبدو أنّه يخطّط للعودة إلى سوريا يوماً.
دانيال سلمان، ابن مدينة اللاذقية، إطفائي قدَّم استقالته ولجأ إلى بلجيكا. يصرّ خلال حديثه إلى "السفير" على رغبته بالعودة يوماً ما. يشرح أسباب خروجه من سوريا: "سافرت بسبب اليأس والإحباط، فقدت الأمل بالمستقبل فقرَّرت ترك سوريا". يتابع دانيال، الذي يمتلك صوتاً جميلاً وله عدّة أغانٍ في سوريا: "بغضّ النظر عن اللقب الذي سألقَّب به بعد سفري، إنْ كان لاجئاً أم نازحاً أم مواطناً، لكنّي برغم لجوئي، أشعر هنا بكرامة"، ويضيف "لم أهرب من سوريا لأيّ سببٍ من الأسباب، فأنا وحيد لن أستدعى للالتحاق بالجيش، أبي كان ضابطاً واستشهد أثناء أدائه واجبه، وعملت كإطفائي في منظمة الإطفاء لثماني سنواتٍ متواصلةٍ". يستطرد دانيال شارحاً: "اليوم أنا في بلجيكا أدرس وأعمل وأسعى لتأسيس حياةٍ جديدةٍ، وربّما أنضمّ لمنظومة الإطفاء هنا.. أتمنّى لو لم أضطر إلى السفر وترك وطني، في النهاية أنا سوريّ، ما أفاخر به دوماً أمام السكان هنا".
على خلاف دانيال، المهاجر الباحث عن مستقبله، ثمة همّ آخر يشغل بال أبو عبدو، الأربعينيّ الذي ترك عائلته في سوريا وخرج بحثاً عن موطن جديد يلوذ به ليستدعي عائلته في ما بعد. يقول ابن مدينة حلب، الذي نزح إلى اللاذقية وعاش فيها حتى الهجرة: "ثلاث سنوات استنزفتني، أخاف على أبنائي وعلى مستقبلهم، لذلك قرَّرت البحث عن موطن جديد". قبل رحيله بمدّة، جلس أبو عبدو، درس بشكل مستفيض طريق سفره، اقترض بعض المال من أحد أصحابه، وسافر: "عليّ أن أمكث فترة وحدي قبل أن أستطيع لمّ شمل عائلتي، هذه هي القوانين". لا يعرف أبو عبدو إنْ كان سيعود يوماً إلى سوريا، لكنّه يمنّي نفسه بأنّ عدداً من أصحابه سيتبعون خطاه: "هناك سأكون مختاراً بينهم"، يقول ضاحكاً، ويتابع "لولا أبنائي لما خاطرت بحياتي وسافرت، ولكنّه قدرٌ لا بدّ منه".
هم هنا.. وأحلامهم هناك
في الداخل السوري أيضاً، كَثُرَ الحديث عن الهجرة خلال هذه الفترة، أحلام الغرب بدأت تداعب مخيّلة الشباب كثيرا. المستقبل المنتظر خلف البحر بدأ يتعشّق في مخيلاتهم. ياسمين، طالبة جامعيّة كانت تدرس هندسة الديكور ضمن منحة في إحدى جامعات قبرص التركية قبل أن تبدأ الحرب وتعود إلى سوريا من دون أن تكمل، لأنَّها خسرت المنحة ولا تستطيع دفع تكاليف دراستها هناك، تنتظر هذه الفترة أيّ فرصة للسفر مرة أخرى.
تقول ياسمين لـ "السفير": "جربت العيش سنتين ونصف السنة تقريباً في قبرص، فرص العمل هناك أكبر ومؤمنة بسهولة وبرواتب تفوق المتوفر في بلدي"، تتابع ابنة الأربعة والعشرين عاماً: "لا أفكّر باللجوء أبداً بل أبحث عن فرصةٍ مناسبةٍ للدّراسة، أودّ فعلاً أن أغادر سوريا، على أن أعود يوماً ما"، وتضيف "هناك أسباب كثيرة تدفعني للسفر، أهمها العمل وبالتالي العيش باستقلالية".
أم جود، بدورها، تعمل خلال هذه الأيام على تجهيز نفسها للسفر: "إخوتي سبقوني، لجأوا إلى السويد، أخبروني أنّ الحياة هناك جيدة، وأنّ فرص العمل مؤمّنة". تضيف المرأة الخمسينية، وهي أمّ لأربعة أبناء، "عليّ أن أجازف بحياتي لأؤمن حياةً كريمةً لأبنائي، الحياة هنا لا مستقبل لها، لذلك سأغامر". تُعاند أم جود زوجها الرّافض لفكرة السفر، تُحاول إقناعه بشتّى السُبُل، تقول أم جود بحماسة: "ابني الكبير يبلغ من العمر 20 عاماً، لا أستطيع أن أستدعيه للمّ شمل الأسرة، عليه أن يسافر معي، وهذا ما أعمل عليه".
المتشبثون بأرضهم أيضاً يحلمون
على عكس أم جود، تُصرّ إيفا حور على البقاء في سوريا برغم "كل هذا الشّقاء"، برأيها "كلمة لجوء مُذلّة ومؤلمة، ولو أخذتُ أقوى جنسيّة على وجه الكرة الأرضية، سأتذكّر أنّها صدقة من البلد الذي لجأتُ إليه وليست دعوة منه لبعثةٍ دراسيّةٍ أو منحةٍ أو أيّ شيء من هذا القبيل".
خلال حديثها، تحاول إيفا أن تنظر إلى الأمور من وجهة نظر مختلفة: "لا أريد أن أترك بلدي في محنتها، أمّا جنسيتي السوريّة فأعتزّ وأفتخر بها لأنّها أصيلة".
بالنسبة إلى كثيرين، يعتبر كلام هذه السيدة السورية "بيعاً للوطنيات"، إلّا أنّ النّظر في شكل حياتها، وهي أمّ لطفلٍ في الخامسة تعيش حياةً متوسطةً، قد يؤكّد أنّ ما تقوله يمثّل قناعتها. تقول المهندسة: "أنا لست من عشّاق الغرب، ولا أسلوب حياتهم أو طريقة تربيتهم لأطفالهم لأنني سأخسرهم مع الأيام، وهم يفتقرون إلى الحياة الاجتماعية كما أنّ مشاعر الناس متبلّدة بحجّة أنّهم شعب نشيط ويحبّ العمل فقط". تتابع: "يوجد عملٌ في سوريا، لم نمت بعد من الجوع، ما زلنا نعيش ونسهر ونقضي الكثير من الأوقات الممتعة".
حديث إيفا يتوافق مع رأي كثيرين ممن يتشبثون بأرضهم وحياتهم. رامي غدير، يجيب عن السؤال حول سبب تمسّكه بالعيش في سوريا بإسهاب، يقول: "ما يحكم السلوك الإنساني في عمق النفس البشريّة هو الخوف، فمن هاجر كان خائفاً على أولاده.. على مستقبلهم، كذلك من لم يهاجر، ما يمنعه من الخروج في هذه الرحلة الطويلة هو الخوف من المجهول الذي ينتظره". عن نفسه يقول رامي: "لن أهاجر لأنّني أعيش في عالمي هنا، لديّ حبيبتي وأسرتي، كما لديّ شبكة علاقات اجتماعيّة وأصدقاء كُثُر، وذاكرة أخاف أن أفقدها، خوفي من الفقدان يمنعني من الهجرة".
خلال حديثه، يُصرّ رامي الذي يدير مقهى "قصيدة نثر" الثّقافيّ في منطقة الشيخ ضاهر وسط اللاذقية على الاختلاف بينه وبين الأوروبي. يرسم بكلماته عالمه الذي يعيش فيه: "زقاق صغير يفصل ساحة الشيخ ضاهر عن شارع 8 آذار أوسع من شوارع أوروبا كلها، فأنا باقٍ إلى أن يغادر آخر الأصدقاء لأغلق باب المدينة وراءه، رغم أنّي أظنّ أنّ ذلك لن يحصل"، يضيف "لست مستعداً وأنا ابن السبعة والثلاثين عاماً أن أعيد بناء حياتي من الصفر".
المهندس حسان الخطيب، بدوره، مصمّم على البقاء في سوريا، إلّا أنّ "أيّ تهديد مباشر تتعرّض له عائلتي يوماً، سيدفعني حتماً للرحيل". يضيف حسان، وهو أب لطفلين، "بقيت في سوريا لأنّها بلدي ببساطة، ولأنّني قبل عشر سنوات عندما كان قرار الهجرة سهلاً بالنسبة لي، قرّرت البقاء هنا وتأسيس عملي الخاص، والذي سمح لي بأن أتواصل مع زبائن من شتّى بقاع الأرض"، يتابع المهندس الذي يعمل في مجال البرمجة وتصميم المواقع وإدارتها: "أنا مقتنع بأنّ العمل موجودٌ دائماً مهما كانت الظروف، فالشخص يستطيع أن يتأقلم مع الأوضاع الصعبة بالمرونة والصبر وعدم رفع سقف التوقعات".
وأيّاً كانت أسباب الهجرة/اللجوء، أو عدمه، ثمَّة نقاط مشتركة بين الجميع، فالحالة الإنسانية هي الأساس، وهو أمرٌ طبيعيّ لحربٍ تعيش عامها الخامس على أرضٍ تنشط فيها آلاف الفصائل المتناحرة، السّاعية لإنشاء "إمارة" هنا أو "دولة خلافة" هناك، لتترك في المحصلة شعباً متشرذماً يعيش معظمه في الداخل، ويتوزّع ما تبقّى منه بين دول الجوار (لبنان 1.113 مليون لاجئ، العراق 249.463 لاجئاً، الأردن 629.245 لاجئاً، مصر 132.375 لاجئاً)، وفق إحصاءات مفوضيّة شؤون اللاجئين التّابعة للأمم المتحدة، في وقتٍ يسعى الآلاف على شكل موجاتٍ بشريّةٍ عبر البحار للوصول إلى أوروبا (51 في المئة من اللاجئين الذين عبروا البحر المتوسط في العام 2015 سوريّون، وعددهم 366.402، وفق الأمم المتحدة)، لتغدو القضيّة قضيّة شعبٍ يعيشُ الشتات، في الداخل (أكثر من سبعة ملايين نازح في الداخل)، أو الخارج.
(نينار الخطيب - السفير)