لم تكد الحكومة تتنفس الصعداء بإقرارها خطة "آخر الليل" الهادفة الى إيجاد حلول قصيرة وبعيدة المدى لأزمة النفايات، حتى جاءها الجواب سريعا. تعبيرات شعبية، ولو أن بعضها كان متواضعا، من عكار الى صيدا مرورا بالناعمة وبرج حمود والبقاع، تقاطعت عند رفض الخيارات الحكومية برغم كل الرشى التي قدمت سابقا في ظروف و"مناسبات" مختلفة وظلت حبراً على ورق، وخصوصا في البقاع والشمال.
مستوى الفساد جعل الناس يقيمون في الشارع. نَفَسهم صار أطول، وقدرتهم على "التطنيش" صارت أقل. من الخلوي إلى الكهرباء والماء فالضمان الاجتماعي وصولاً إلى النفايات، مروراً بالفشل السياسي رئاسة ومجلساً نيابياً وحكومة. طفح الكيل عند الناس فكسروا الخوف، ونقلوه إلى السلطة التي لم تشعر يوماً بالضغط الذي تشعر به اليوم. السلطة التي اعتادت التصرف بأموال الشعب كما يحلو لها، بعدما شلّت المؤسسات الرقابية، تنبهت فجأة إلى أن هذا الشعب صار رقيباً على كل صفقاتها المشبوهة.
و"الأخطر" أن الحالة الشعبية لم تعد "هبّة وتنتهي"، بل هي تكاد تتحول مع الوقت ومع عجز السلطة الكامل، إلى مؤسسة حقيقية. هذه المؤسسة لا تطرح نفسها بديلاً، بل جلّ ما تنادي به هو وقف سرقة الناس لأن الكيل قد طفح.. مثلما تنادي بتطبيق القوانين والدستور لأنه وحده الكفيل بإغلاق مغارة علي بابا. فمن عايش توسّع تلك "المغارة"، يؤكد أن مستوى الفساد المتفاقم اليوم يعود ببساطة إلى عدم تطبيق القوانين. فيما يعود الشلل المؤسساتي إلى الإصرار على عدم تطبيق الدستور، بحيث يصبح إقرار الموازنة تفصيلاً (عشر سنوات من الصرف وفق القاعدة الاثني عشرية) وإجراء الانتخابات ترفاً وانتخاب الرئيس بلا جدوى، ويصبح مجلس الوزراء لزوم ما لا يلزم ومجلس النواب منبراً للوجاهة.. ثم يصبح مفهوماً أن لا تعلو مؤسسة على "مجلس الملل".. المسمى تلطيفاً "طاولة الحوار".
الضمان الاجتماعي.. يترنح
فالضمان الاجتماعي الذي يستفيد منه حوالي مليون و300 ألف مستفيد على عاتق 540 ألف مضمون، فلم يكن أفضل حالاً. لم تدفع الدولة الديون المترتبة عليها للضمان، فتراكم العجز لديه، ولا سيما في فرع المرض والأمومة، حتى اضطر إلى سده من فرع تعويضات نهاية الخدمة، إضافة الى لجوئه إلى إقفال فرع الضمان الاختياري وطرد المنتسبين إليه من المستشفيات، بعدما فضلت إدارة الضمان، أو أُجبرت على عدم رفع دعوى على الدولة لمطالبتها بالمستحقات.
قصة النفايات، بدأت قبل انفجارها بزمن بعيد. لم تلجأ السلطة إلى الانتخابات البلدية بعد الطائف، بل فضّلت التصرف بحصة البلديات من أموال الخلوي والصندوق البلدي المستقل. فجأة صارت "سوكلين" و "أخواتها" في جميع المناطق أداة لشفط "الأموال السائبة" وبديلاً من البلديات بكلفة عالية ولا من يحاسب أو يراقب، بعدما تعاقدت معها الدولة من دون الرجوع إلى البلديات.
هذا المسار بدا شبيهاً بطريقة التعامل مع قطاع الخلوي الذي تحول بين ليلة وضحاها إلى فرصة للربح السريع على حساب الناس، في ظل سيطرة أهل السلطة على القطاع الذي سُمّي "نفط لبنان".. أو بدقة أكثر "نفط الطبقة المسيطرة"، فيما كان الناس مضطرين لدفع أغلى فاتورة هاتفية في المنطقة مقابل الخدمة الأكثر رداءة.
هدر مفضوح في الجمارك
كل ما سبق كان عنوانه واحداً: إيرادات غير واقعية تسجل في الموازنة ومصاريف واقعية لا تسجل في الموازنة نفسها، والأخطر ما تخسره الدولة نتيجة عدم تطبيق القوانين، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن لبنان كان يستورد في العام 2009 بقيمة 13 مليار دولار وكانت الايرادات الجمركية تساوي حوالي 2.7 مليار دولار، في حين أن لبنان استورد خلال العام 2014 بقيمة 21 مليار دولار، أما العائدات فكانت بحدود 2.2 مليار دولار، أي أنها تراجعت بدل أن تتضاعف، وهذا الأمر إن دل على شيء إنما على سرقة المال العام.
مزراب "الهيئة العليا للإغاثة"!
للمناسبة كيف قررت الحكومة رشوة عكار، ولاحقاً البقاع، بـ150 مليار ليرة؟ وماذا يعني أن تكلف الهيئة العليا للإغاثة بدفع المبلغ؟ هل الهيئة صارت بديل وزارة المال؟ وهل أموالها ليست أموالاً عامة حتى يسهل التصرف بها بقرار من الحكومة أو حتى بقرار من رئيسها؟ أم أنها ببساطة، كالصندوق البلدي المستقل، أحد مزاريب الهدر الرسمي والفساد.. ولا بد من إقفالها أو إعادتها إلى حجمها القانوني؟
للاطلاع على النص كاملًا إضغط هنا
(السفير)