يقدر عدد المسنين في لبنان بنحو 400 ألف شخص وفق إحصاء تقديري لوزارة الشؤون الاجتماعية، وهو عدد كبير نسبة لعدد السكان الاجمالي. هذا الرقم يعني أن عشرة في المئة من سكان لبنان هم من كبار السن وهي الفئة التي يتخطى عمرها 65 عاماً بحسب منظمة الصحة العالمية.
بات من المعلوم أن لبنان يفتقر الى سياسة واضحة في ما يتعلق بتأمين الدخل والحماية والرعاية لكبار السن بسبب التناحر السياسي والطائفي ولم يتضح بعد حتى الآن ما إذا كانت الفيتوات المتبادلة التي حالت في السابق دون إقرار قانون ضمان الشيخوخة ما تزال ثابتة اليوم، فهل حكم على الشيخوخة في لبنان أن تبقى أسيرة الإهمال الرسمي والإجحاف المطبق على حياة أصحابها ليدفعوا ضريبة الحياة مرتين؟
في لبنان 49 مؤسسة تعنى بالمسنين، ثمة من يعتربها أماكن لنفي كبار السن فيها لأن بعض هذه المراكز لا يمت الى الرعاية الحقيقية بصلة حيث يمارس الضرب والشتائم والتجويع والتعذيب النفسي فتتحول هذه المراكز الى ما يشبه السجن الذي يمارس فيه العنف النفسي والجسدي من دون رقابة، مع الإشارة الى أن غالبية دور العجزة في لبنان تعاني نقصاً في الأماكن والحاجات والكوادر الطبية والإدارية والتمريضية.
ويحدث في بعض الأحيان أن لا يجد المسن مكاناً له ضمن أسرته إما لظروف سفر الأبناء أو لضيق مكان السكن أو بسبب عمل أفراد الأسرة لساعات متأخرة وعدم قدرتهم على الاعتناء به، من هنا أهمية اختيار الدار التي تملك المؤهلات الكافية على صعيد طاقم العمل والتجهيزات والنظافة والخدمة التي تؤمن للمسن العناية التي يحتاج اليها على أتم وجه، والأهم من كل ذلك هو زيارة المسن بصورة مستمرة، فوجود الأبناء يمنح ذويهم المتقدمين في العمر العطف والأمان والرغبة في الحياة حتى أنه ينصح بعدم التوقف عن الزيارة في حال كان المسن فاقداً للادراك ولم يتمكن من معرفة أفراد أسرته، لأن الهدف من الزيارة هو التعبير عن المودة وهو ما يولد فرحاً موقتاً ويشعر أنه لا يزال محور اهتمام عائلته مما يعني تمتين الروابط في العلاقة الأسرية.
مرحلة الشيخوخة تبدأ في سن الخامسة والسبعين الا أن المشكلة تظهر فعلياً قبل ذلك وتحديداً في سن التقاعد حيث تتغير حياة المرء بشكل جذري وبصورة مفاجئة، فالمتقاعد الذي ليس لديه اهتمامات أخرى يشغل نفسه بها يقع ضحية الشعور بالإهمال والملل وتتملكه مختلف المشاعر السلبية التي يمكن أن تؤدي الى الإنهيار النفسي والاعتلال الجسدي والاستسلام للخيبة والمرارة والشعور بالفراغ العميق، لذلك تشكل الحياة الاجتماعية عنصراً مهماً في تحقيق الاكتفاء الذاتي للمسن والحفاظ على تأقلمه مع المجتمع وتنشيط قدراته العقلية من خلال التواصل المستمر مع الآخرين، فالحياة الأسرية السليمة هي من أبرز العوامل التي تؤدي الي شيخوخة ايجابية لأن وجود المسن ضمن عائلة ترعاه وتمنحه الحب والعناية ينعكس إيجاباً على صحته النفسية والجسدية.
ليس بالضرورة أن تكون الشيخوخة مرادفاً للكآبة والمشاكل على الرغم مما يرافق هذه الفترة من تغيرات وصعوبات، فالمسن لا يتوقع إلا أن يقابل بالعرفان والتقدير ممن أفنى حياته في خدمتهم من أولاده وعائلته، وهو يحتاج الى العطف تماماً كالطفل كما أنه يحتاج الى مناخ ملائم لك يحتفظ بدور مشارك في الحياة يشعر من خلاله بفعاليته ويتواصل في علاقات اجتماعية تعوض له عن أحزانه وتملأ كل الفراغات التي تحيط به.
قديماً قيل " يللي ما عندو كبير يشتري كبير..." في دلالة على أهمية وجود كبير العائلة فيها مما يجنب كبار السن المصير المجهول بين الاهمال العائلي والرسمي وتطبيقاً للآية الكريمة "...وبالوالدين إحساناً".
("لبنان24")