في ساحات الاعتصامات والتظاهرات المتنقلة، اختلط حابل شعارات الحراك المدني بنابل السياسة وازدحمت الشعارات والمطالب في البيانات الطويلة لبعض منظمي هذه الاعتصامات والتظاهرات الصاخبة.
اللافت أن بيانات الناقمين على الفساد واهتراء الأوضاع في لبنان لا تذكر أي مسؤول عن هذا الفساد إذا ما استثنينا المطالبة باستقالة وزير البيئة محمد المشنوق ومحاسبة وزير الداخلية نهاد المشنوق، وهي تكتفي بالتعميم في تحميل المسؤولية للطبقة السياسية عموماً.
الكل يجمع على مشروعية المطالب التي ينادي بها المتظاهرون، لكن الشيطان يكمن في التفاصيل، وبالنظر الى سلة المطالب التي طرحت فهي تكشف عن عدم وجود نظرة سياسية واعية لدى قيادات الحراك الشعبي. فأزمة النفايات ليست أكثر من جبل جليد الفساد السياسي، وهي ليست وليدة اليوم، وفساد النظام الحاكم لا ينحصر في حكومة اليوم فقط بل يشمل الطبقة السياسية كلها.
يأتي شعار "اسقاط النظام" ليلهب حماسة الثائرين المبشّرين بربيع عربي آخر كما حصل في دول الجوار من دون أي رؤية مستقبلية تضع على الأقل الخطوط العامة للنظام البديل وآليته. الكلام الكبير المتفلت من عقاله والقائل بإسقاط النظام، محاكمة المسؤولين، حل المجلس النيابي، القيام بثورة مع حراك متفلت أيضاً من عقاله يظهر صورة المجتمع اللبناني بالألوان حيث يسهل إفشال كل المبادرات.
الحلم مسموح والغضب شرعي ورفع الصوت ضروري، لكن حبذا لو يكتفي المتظاهرون بمطالب معيشية صرف تمنح الحراك الشعبي فرصة للتشكل. فالإكتفاء بتلك المطالب وأداء "وظيفة الشعب" ومهمة المجتمع المدني نكون قد تركنا طوائفنا وأحزابنا الى حين، وتخلينا لوقت عن انقساماتنا لنمارس السياسة من الموقع الصحيح، والا فإننا سنبقى في دائرة اليأس والخلل والسموم والأكسدة والروائح النتنة التي تسد مسام العقل والروح، وسنبقى تحت خط الذل وتحت خط النفايات بكثير، لنشاهد مسرحية محاصصة يؤديها سياسيون بلغوا أقصى درجات الوقاحة.
الواضح أن القيمين على الحراك الشعبي في لبنان إما أنهم لا يفقهون شيئاً في السياسة، وبالتالي فإن حراكهم لا يعدو كونه صرخة ألم تسجل للتاريخ، أو أنهم موعودون بوعود من أروقة بعض السفارات التي تريد إجراء تعديل جدي في النظام اللبناني، لأنه من البديهي أن تسعى بعض القوى السياسية والطائفية الى ركوب موجة الاحتجاجات لتجييرها لمصالحها الشخصية.
موضوع النفايات أيقظ الشارع اللبناني من سباته العميق فكانت الشرارة التي أشعلت أزمة سياسية عنوانها الأساسي شغور الموقع الرئاسي وحراك احتجاجي على خلفية مطالب معيشية ملحة. لا شك في أن الحراك الشعبي في لبنان المتمرد على الاصطفافات الآذارية هو حراك مراهق لم يبلغ بعد سن الرشد، وبالتالي لا يمكن تقييمه أو الحكم عليه في معركته الافتراضية في ساحات التواصل الاجتماعي أو الساحات المحاصرة من أمراء الطوائف والسلطة، لذلك من الأجدى حذف عبارات تم اجهاضها في دول الربيع العربي والانقلاب عليها عبر ثورات مضادة أعادت ترميم هياكل الحكم القديم، كما حدث في مصر وتونس أو هدمتها على رؤوس الشعوب الثائرة كما حدث في اليمن والعراق وليبيا وسوريا.
("لبنان 24")