يعترف أكثر من مرجع أمني أن القلق ما زال يساورهم بشأن سلامة الحراك المدني القائم في ساحة الشهداء وأمام الوزارات التي ينتقونها بعناية لإلقاء الضوء على جوانب من الملفات العامرة بالفساد بـ"عناية خبير". وهم يراقبون بدقة أثناء التحركات وما بعدها في عيون ووجوه العديد من قادة الحراك، وخصوصا اولئك الذين يواجهون القوى الأمنية والعسكرية بـ"صدورهم العارية" ويتصدون لهم لإعطاء انطباع لدى الرأي العام الخارجي قبل المحلي بأن القوى الأمنية تستخدم العنف المفرط تجاه مدنيين مسالمين ومقهورين بالمعايير الإنسانية الدولية ولا يريدون سوى تحسين مستوى العيش في لبنان.
ويقول مرجع أمني بارز إن الهم الأمني يراوده ليل نهار، وقد أدت التوقيفات السابقة وخصوصا تلك التي نفذتها المديرية العامة للأمن العام، الى الكشف عن هويات مندسين بين صفوف الحراك لحرفه عن أهدافه الى حين مجهول – معلوم النتائج مسبقا. وقد أدت اعترافاتهم الى الإمساك بخيوط عدة ستؤدي حتما الى فرض الرقابة المشددة واللصيقة على مجموعة من الوجوه، التي يجب الا تغيب عن عيون الأمنيين ليل نهار لمعرفة توجهاتهم والجهات التي تقودهم وتحرضهم للقيام بكل ما يقومون به في انتظار ساعة الصفر للكشف عن المفاجآت المحتملة التي يتوقعها الأمنيون.
ولذلك، فقد جهدت وحدات متخصصة في ملاحقة بعض الوجوه من الشبان والشابات الذين مارسوا أقصى التعديات على القوى الأمنية في الأيام الماضية، ومن بينها وجوه باتت معروفة بعدما تكررت ممارساتهم بشكل لافت يكاد المريب من خلالها القول "أنا هنا خذوني" لتتحول قضاياهم من ملف مشاغب الى قضية رأي عام خارجي أكثر مما هو داخلي. فالبلد يعج بأجهزة المخابرات مستفيدين من حرية الحركة لم ولن تتوافر في اي بلد آخر سوى لبنان، وخصوصا في هذه المرحلة التي تحول فيها الى مقصد الكثير من الأجهزة التي تعمل في السر والعلن.
ويضيف: "هناك سفارات رفعت من نسبة جهوزيتها الإستخبارية بحرية مطلقة وبالتنسيق مع الأجهزة اللبنانية، وخصوصا تلك التي تبحث عن أمن دولها ولا سيما الأوروبيين منهم ودول الإتحاد السوفياتي السابق، الذين يراقبون حراك مجموعات من مواطنيهم وصلوا إلى لبنان وتركيا تمهيدا للإنتقال الى الأراضي السورية عدا عن المهام التي يقومون بها على الأراضي اللبنانية".
ولذلك فقد ارتفعت في الأشهر القليلة الماضية نسبة التنسيق بين الأجهزة اللبنانية والأجنبية وأثمرت انجازات كبيرة توفر الأمن للأوروبيين واللبنانيين معا، وقد عدت عمليات نوعية لم يكشف عنها بكاملها على رغم ان البعض منها طال رموزا كبيرة لا يمكن إخفاء أدوارهم عن الرأي العام اللبناني، وهو أمر أدى الى تعزيز الثقة بالأجهزة اللبنانية ورفع من نسبة التطمينات الغربية والدولية للحد الأدنى من الأمن المتوافر في لبنان الى حين.
وعليه، لا تتجاهل القوى الأمنية العودة الى "داتا" المعلومات التي لديها لتعزيز القراءات الأمنية للتطورات، وهي ترصد بدقة متناهية الكثير من المعلومات التي لديها لمطابقتها مع الممارسات اليومية، وهي لن تترد للحظة عن الكشف عما يمكن الكشف عنه لإزالة الكثير من الغموض الذي يلف الشارع، فلا تبقى الأمور معلقة على رؤية سطحية للحراك تتناسب وحجم المطالب التي تحاكي شؤون وشجون اللبنانيين من مختلف الطوائف والمناطق والجهات في وحدتهم في مواجهة مع ما يسمونه السلطة في لبنان، علما ان لهذه السلطة في لبنان مفهوما لم تعرفه الدول الأخرى في ظل الشغور الرئاسي والشلل المتمادي في المؤسسات الدستورية والخروق اليومية للدستور والقانون بشكل لم يعد يشكل عائقا امام التباهي بالقدرة على إدارة شؤون الناس خارج معايير المؤسسات الرسمية وغير الرسمية على حد سواء.
وبناء على ما تقدم، تعتقد المراجع الأمنية أن عدد المشاغبين الى ارتفاع ملحوظ ولذلك فقد بدأت القوى الأمنية أسلوبا جديدا في التعاطي مع الحراك لا تستبعد فيه اقتياد أي متظاهر، أيا كان دوره ورمزه، الى التحقيق عدا عن "الأمن الإستباقي" الذي عززت منه بشكل لافت في الأيام القليلة الماضية، وباتت هناك مجموعات مخروقة امنيا بشكل يضمن منع وقوع اية مفاجآت كتلك التي شهدتها وزارة البيئة مطلع الشهر الجاري، والتي عدت فشلا ذريعا لكل الأجهزة الأمنية بعد سقوط نظرية تورط أجهزة صديقة فيها نهائيا، قيل يومها انها تمكنت من نصب أفخاخ لزملاء لها في المهنة والدور.
وتختم المراجع لتقول إن نصف المشاكل التي تواجهها القوى الأمنية سينتهي فور نجاح القيادات السياسية في تنفيذ اي من الإستحقاقات الدستورية، التي تشكل مخرجا للمأزق القائم ويبقى النصف الثاني الذي لا يستحق الكثير من العناء. فالجو السياسي المحموم له أكثر من وجه سلبي وأيجابي، والأهم من ذلك ان يبقى المندسون من دعاة "الغاء الطائفية السياسية" لتبتعد البلاد عن الحراك المذهبي، الذي اقتربت منه للحظات أمس الإثنين من خلال قيادة تحرك شبابي من خارج الحراك على وقع الشعارات التي أسقطت هامات سياسية وساوت في ما بينها. وقد ثبت انه لم يعد هناك من أسماء لا تطالها الشعارات وهي خطوة تبعد شبح الفتنة المذهبية، ومن المهم ان يتوقف عندها البعض كوجه من الوجوه الإيجابية التي لا تخفي الوجوه السلبية فحسب بل تلقي الضوء عليها بصورة أوضح.