يصح ان نطلق على البحر الأبيض المتوسط بضفافه الثلاث: الشمالية والجنوبية والشرقية اسم بحر الموت، بعد ازدياد ظاهرة تدفق الآف المهاجرين غير الشرعيين ومنهم بشكل خاص اللاجئين السوريين الى شواطىء دول الاتحاد الأوروبي هرباً من تداعيات الحرب المستعرة في بلدهم.
الأزمة السورية المستمرة منذ أربع سنوات ونيف أرغمت الآلاف من النازحين السوريين على دفع أموال طائلة لعصابات تهريب البشر، ومنها المافيات التركية التي تتقاضى ملايين الجنيهات الاسترلينية، ولديها فروع في جميع أنحاء أوروبا لنقل هؤلاء النازحين الى القارة العجوز، إضافة الى أفراد من هذه العصابات المنظمة الذين يعملون في المطارات لتسهيل إدخالهم الى الدول المطلوبة.
يبحر المهاجرون غير الشرعيين، سواء كانوا سوريين أم أفارقة، باتجاه الشواطىء الايطالية، في حين يتوجه القسم الآخر الى شواطىء اليونان ومالطا واسبانيا، منهم من يصل الى وجهته بعد أن يتم إنقاذه من الغرق، ومنهم من لا يحالفه الحظ فيصبح جثة هامدة تبتلعها مياه المتوسط أو تلفظها الى شاطىء إحدى دول العبور. إنه مشهد درامي تجري أحداثه قبالة شواطىء جنوب القارة الأوروبية، بحيث تحولت الهجرة الى هاجس يؤرق بلدان الاتحاد الأوروبي ويثير الكثير من الجدل لما تطرحه من إشكالات من مختلف الأنواع.
باتت قضية الهجرة من أهم القضايا الأمنية في أوروبا، خصوصاً بالنظر الى العلاقة المحتملة بين الإرهاب والمهاجرين من خلال تسلل ارهابين مفترضين بين صفوف المهاجرين في رحلة عكسية من الشرق الى أوروبا للقيام بهجمات أكثر تركيزاً وكثافة، وهذا الأمر يتطلب يقظة استثنائية من كل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والعسكرية في الدول الأوروبية، التي هي في مرمى هدف المهاجرين غير الشرعيين.
يرتكز الاهتمام من قبل الدول الأوروبية المعنية بظاهرة الهجرة غير الشرعية بشكل أساسي على ضرورة وقف فلول هؤلاء المهاجرين الى شواطىء أوروبا، وقد نتج عن ذلك خلاف بين دول الاتحاد الأوروبي حول نسب توزيع المهاجرين على أراضي كل دولة، فما مدى انسانية الحلول الأمنية وما مدى تماشيها مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية لحقوق الانسان؟
تاريخ الهجرة غير الشرعية الى أوروبا ليس ظاهرة جديدة، فهو يعود الى الفترة الممتدة من الثلاثينيات وحتى الخمسينيات من القرن الماضي، حين كانت أوروبا بحاجة الى اليد العاملة، فلم تكن قد أصدرت قوانين تجرم عملية الهجرة غير الشرعية الى أراضيها. مع أوائل السبعينيات، شعرت الدول الأوروبية نسبياً بالإكتفاء من هذه اليد العاملة مما جعلها تتبنى إجراءات قانونية تهدف الى الحد من الهجرة غير الشرعية، وقد ازدادت هذه الإجراءات مع بداية تطبيق اتفاقية "شنغن" التي دخلت حيز التنفيذ في حزيران من العام 1985 والتي تسمح لحامل تأشيرة أي دولة من الدول الأوروبية الموقعة على هذه الاتفاقية بالمرور في أراضي بقية الدول، ثم عادت وازدادت الإجراءات تشدداً مرة أخرى بعد العام 1990 وهو العام الذي شهد توسيع الاتحاد الأوروبي، ومنذ العام 1995 أخذت هذه المرحلة طابعاً أمنياً لجأت خلاله الدول الأوروبية الى انتهاج سياسة أمنية عبر تنفيذ مقررات "القانون الجديد للهجرة" والذي يستند الى تبني اجراءات صارمة بخصوص مسألة الهجرة.
الدول الأوروبية الخمس الكبرى التي تقصدها غالبية تيارات الهجرة السرية هي اسبانيا، ايطاليا، فرنسا، بريطانيا والمانيا. الأرقام تشير الى أن نحو 400 ألف مهاجر ولاجىء دخلوا الى دول الاتحاد الأوروبي هذه العام، غالبيتهم عن طريق ايطاليا واليونان والمجر، وقد هلك ما يقارب 3600 شخص، وهم يحاولون الوصول الى ايطاليا واليونان واسبانيا عن طريق البحر خلال هذه العام بحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة، حتى قبل أنباء غرق سفينة قبالة الساحل الليبي بمن فيها واكتشاف 71 جثة لاجىء سوري في شاحنة في النمسا، علماً أن من يحالفه الحظ ويكمل الرحلة الى أوروبا يواجه ظروفاً مروعة في الطريق وكذلك احتمال اعتقاله والتثبت من بياناته الشخصية عند الوصول.
إذا كانت الهجرة في معناها العام تشكل تعبيراً عن رغبة المرء في التغلب على الظروف الصعبة وبدء حياة جديدة قد توفر له الحق في العيش الكريم، وإذا كان حجم الوطن الذي ننتمي اليه قد يتقلص ليصبح على قدر مساحة "خيمة"، تصبح الهجرة غير الشرعية مخاطرة لا بد منها، ومن المؤكد أن "ايلان" ابن السنوات الثلاث لن يكون آخر ضحاياها.
("لبنان24")