مع الاستبداد يصير الناس مهجرين، مهاجرين، لاجئين في أرضهم. تتساوى بالنسبة لهم أرض الأوطان مع البلدان الغريبة. يتركون، بل يهربون إلى حيث العيش والكرامة. ما دامت كرامتهم في وطنهم مفقودة فهذا ليس وطناً لهم.
تحت حكم الطاغية يتحول الناس إلى رعية، يتوهم البعض انهم شعب. المواطن أمر افتراضي. لا يخجل الطاغية من خطاب المواطنين. هو في الحقيقة يعتبر نفسه منذ «الثورة» الانقلاب قد خلق المجتمع. هو في الحقيقة، يرثه. لكن الشعب ورث عهداً، وهو أي الحاكم أورث عهداً. والعهدان متلازمان، وإلا ما كان الشعب ضرورياً. هل وجد الشعب إلا من أجل ان يُحكم؟ بالتعريف الشعب يخضع، والطاغية يحكم. يُمنع على الناس ان يصيروا مواطنين. لا يشاركون بل يصيرون مهمشين، أعداداً زائدة لا لزوم لها. لا فرق ان بقوا في أرضهم أو هاجروا منها. حتى لو لم يبق أحد يبقى الطاغية لحكم الشعب الافتراضي.
ما دام المواطن الافتراضي يعيش غريباً على أرضه، فإن هذه الأرض تتساوى في القيمة المعنوية، بالنسبة له، مع كل الأراضي الأخرى. يهاجر، يفقد الأمل في وطنه الافتراضي، يهاجر وراء الأمل، فهل يجده؟
ينتظره على المقلب الآخر تاجر تهريب أجساد بشرية. يرميه أمام الأسوار. بلدان الأمل تحيط نفسها بالأسوار المادية والمعنوية، معاملات الفيزا وأوراق اللجوء، هي أيضاً أسوار. يأخذ المهاجر مخاطرة الموت في سبيل الوصول. تتساوى المخاطرات بين البر والبحر.
بعد الوصول، إذا اجتاز السور يجد نفسه سلعة. ألم يقل أحد مديري الشركات: فلنستقبلهم، فإن فيهم قيمة اقتصادية؟ ليست القيمة إنسانية عنده. وهذا أرحم لمن يرفض استقبالهم لأية قيمة يحتملونها. عنصرية ترفضهم على انهم غرباء. الفرق قليل بين هذه العنصرية والاستبداد في بلدهم الافتراضي.
لم يخجل البعض في بلداننا الافتراضية من القول ان هؤلاء المهاجرين أعداد زائدة غير مفيدة. الزائدة تستأصل. فهل ما يجري عملية جراحية؟ وهل الترحيل مقصود؟ وهل هناك أمر خفي لا نعرفه؟
العار كل العار أن جميع الحكام العرب يدعون الانتماء إلى أمة عربية، وان هذه الأمة تشكل 10% من مساحة العالم وخمسة في المئة من سكانها، وان الفقر هو السمة الغالبة إلى جانب الثراء الفاحش لدى القلة. لكن أبواب البلدان العربية جميعها مغلقة إلا في البلدان التي ليس لديها حكومات تمارس البطش. هنا يمارسون العنصرية. يزايدون هنا بالتصريحات الحاقدة.
نظام عالمي، أساسه أن الإنسان ليس قيمة في ذاته وبذاته ولذاته. هو فقط قيمة حين يكون ذا فائدة. فائدة لمن يهوى الحكم أو لمن لديه الرأسمال للتشغيل. سيان.