حين قرر وزير الصحة وائل ابو فاعور اطلاق حملة سلامة الغذاء لوقف المقامرة بحياة المواطنين، ادرك منذ اللحظة الاولى انها مغامرة صعبة وطويلة. عملياً، يفترض ان تعدّ مثل الاجراءات الرسمية للحفاظ على الامن الغذائي طبيعية وعادية، غير انها، في ظلّ منظومة الفساد السائدة والمحصنة، صارت انجازات. والوزير الشاب اتقن "قواعد اللعبة": صممّ على فقء عين الفساد امام عدسات الاعلام والشعب، فباشر الحملة بمؤتمرات صحفية متكررة احدثت بلبلة وارتياحا في آن. جوبه وزير الصحة من قبل بعض المستفيدين من غياب الرقابة، واتهم بضرب السياحة والاقتصاد. وعلى وقع تصفيق "جمهور" شبع التهام الاوساخ والامراض، مضى في التحدي واضعاً نصب عينه اقرار قانون سلامة الغذاء.
وحدث ان اضيفت الى القاموس اللبناني مصطلحات "بوفاعورية" مثل "مطابق وغير مطابق للمواصفات"، حدّ تعميمها على باقي الميادين. وحدث ايضاً ان شهد اللبنانيون، ولعلها من بين المرات القليلة في تاريخهم القريب، على مواظبة وتصميم في معالجة ملف دقيق ومعقد. فكثرٌ ظنوا انه سيؤول الى ما آلت اليه ملفات وقضايا اخرى كقانون منع التدخين في الاماكن العامة او قانون السير الجديد، ليتبيّن ان لا "همروجة موسمية"، على رغم الوهجّ الذي خفّ... اعلامياً!
فالحال ان وزارة الصحة لا تزال تجول على المطاعم والمؤسسات معاينة "الفها وبائها"، ومصدرة لائحة اسبوعية بالعينات المطابقة وغير المطابقة. ولا سعادة تضاهي ما يختلج صدر بو فاعور حين يعدد النتائج الايجابية للحملة، ان في المطاعم او المطار او المرفأ، وصولاً الى الاجراء التحفيزي المتوقع تطبيقه في بيروت اولاً، والمتمثل باعطاء علامات للمطاعم بغية تصنيفها بحسب جودتها ومطابقتها للمعايير والمواصفات وهي "gold" و "silver".
وان كانت المرحلة المقبلة ستشمل اقامة مراكز دائمة على الحدود لمعاينة المواد الغذائية المستوردة، مصحوبة بثقافة جديدة حول الامن الغذائي تمّ ارساؤها تشمل التقيّد بقواعد صارمة وتلحظ رقابة ذاتية تضطلع بها المؤسسات والمطاعم... وبانتظار اقرار قانون سلامة الغذاء في اول جلسة تشريعية، يمكن القول ان الامن الغذائي في لبنان بات على السكة الصحيحة... ولكن!
الوزير ابو فاعور "مصدوم نفسياً وصحياً". امس، وفي حديثه إلى برنامج "كلام الناس"، اعترف بالأمر. كاد ان يصرخ "ضيعان التعب"! لقد حاول الرجل اغلاق ابواب الفساد ونوافذه، وحين نجح في ازالة القمامة من اطباق اللبنانيين، انتشرت النفايات على الطرقات وعتبات المنازل والمستشفيات والمطاعم.
"كنا اذا شي مطعم لقينا عندو شي فخذ دجاج مش ماشي حالو نخرب الدني.. هلق شو بدك تحكي"؟!
فعلاً ماذا يسع ابو فاعور او اي وزير صحة يخلفه القول؟! فآثار الزبالة ظهرت بوضوح. يفند الوزير قائلاً: "حين بدأت الحملة في العام 2014 كانت نسبة العينات المطابقة للمواصفات من الدجاج حوالى 58%، وبدأت ترتفع الى 73% ثم 83% و81% 79ثم %،لكنها عادت وانخفضت في آب الى 56%...بسبب النفايات!
وبحسب اكثر من خبير بيئي وطبيب، فان المواد المخمرة وسوائل النفايات التي ستصل الى المياه الجوفية لا يمكن ان تختفي اقلّه قبل عامين. ما يعني ان المزروعات سوف تحمل السلمونيلا والبكتيريا والطفيليات حتى لو ازيلت القمامة من الشارع فوراً.
فما ذنب المطاعم ان كانت المواد الاولية ملوّثة من مصدرها؟!
وعلى ما يبدو فان النفايات السياسية ستساند نفايات المنازل في ضربها الامن الغذائي، وقد تسوء حال الوزير النفسية اكثر. فعلى سبيل المثال سأله الاعلامي مارسيل غانم عن ملف مسلخ بيروت وكيف اعيد فتح "مطحنة العظام" في جنح الظلام. اعتلت الخيبة وجه ابو فاعور واكتفى بالتعليق:"تبيّن انو مطحنة العظام بدها دوحة جديدة...واضح انو شأن غير محليّ"!