في أميركا، تحولت "الساعة" إلى "قنبلة"، والذكاء والموهبة إلى إرهاب وإدانة، والسجن إلى مكان للعباقرة.. لكن ولأن "الإعتراف بالخطأ فضيلة"، وبعد سيل الاحتجاجات والإتهامات التي طالت الشرطة الأميركية، اضطر الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى الاعتذار من الفتى الأميركي من أصل سوداني، أحمد محمد الحسن (14 عاماً)، الذي تسّبب طموحه المفرط وأفكاره الخلاقة لاتهامه بالإرهاب.
وفي التفاصيل، لمن لم يتابع القضية التي شغلت أميركا وعدداً من دول العالم، فإن حب الفتى "أحمد" المفرط للعلم والتكنولوجيا جعله يصنع ساعة يدوياً، ويحملها إلى مدرسته آملاً أن يجد تشجيعاً من أساتذته، لكن ما حصل كان كابوساً، فقد ظن المسؤولون أنه يحمل قنبلة، فطلبوا الشرطة التي اقتادته إلى مركز التحقيق معرضين الفتى إلى إهانة نفسية بسبب التشكيك به واتهامه بالإرهاب، فنال عقاباً قاسياً بدلاً من درجة إمتياز.
الجديد أنه وبعكس التوقعات، كانت المحنة منحة، فبدأ حلم أحمد بالتحول إلى حقيقة إذ إنه تلقى دعوات عدة من شخصيات مهمة مثل الرئيس أوباما لزيارة البيت الأبيض لتشجيعه على موهبته الإستثنائية؛ كما عرض عليه مؤسس "فيسبوك" مارك زوكربيرج زيارة موقعه عارضاً عليه وظيفة له في المستقبل، بالإضافة إلى تلقيه دعوات من كبرى الشركات العالمية مثل "غوغل" و"ناسا" و"معهد ماساتشوستس للتقنية" (MIT)، ومساندة المعارض الدولية للهندسة والعلمية له. النهاية السعيدة كانت كافية لإرضاء أحمد، لكن لهذه الحادثة تداعياتها وخلفياتها التي لا يمكن التغاضي عنها، وأهمها هل اعتقل هذا الفتى فقط لأنه مسلم؟
هكذا انتشرت قصة "ساعة أحمد"
بدايةً، أول من قام بمساندة "أحمد" الفلسطينية أمنية جعفري، وهي طالبة علم النفس في جامعة تكساس أرلينغتون، إذ نشرت تغريدة كتبت فيها: لو كان اسمه جون كان وُصف بالعبقري لكن لأن إسمه "أحمد" اعتبروا ما فعله "مشبوه"، وأرفقت التغريدة بهاشتاغ "IStandWithAhmed"، لتنهال التغريدات المساندة التي وصلت إلى اكثر من مليون تغريدة، تنديداً بما حصل من قبل الشرطة الاميركية والمدرسة، كما ضجت بعدها الصحف العالمية بالقصة التي ألقت الضوء مجدداً على إشكالية "الإسلاموفوبيا" أو "رهاب الإسلام" التي طرحتها جعفري، وتعني الصورة السلبية التي يتخذها الغرب عن المسلمين.
هذه الظاهرة كانت تصاعدت بعد هجمات 11 أيلول عام 2001 التي نفذها 19 شخصاً على صلة بـتنظيم "القاعدة"، لتتفاقم في السنوات الاخيرة بسبب الصورة المسيئة التي ينشرها إرهاب "داعش" و"النصرة" وغيرهم من التنظيمات عن الإسلام والمسلمين، وخصوصاً بعد حادثة "شارلي إيبدو".
"إسلاموفوبيا الغرب"
في سيل التعليقات والتغريدات، تسائل ناشطون: "لماذا كل هذا الخوف من المسلمين وخصوصاً في تكساس؟ وهل كل مسلم هو إرهابي؟، وقال آخر: "هناك أكثر من 7 أطفال قاموا بجلب ساعات مشابهة لساعة احمد ولم يتم اعتقالهم"، في وقت سخر مغرّد آخر من عدم خبرة الشرطة الاميركية في التفرقة بين المجرم والبريء: "ألم يشاهدوا شعار "ناسا" على سترة الطفل؟ الإرهابيون لا يرتدون هكذا أشياء"، مشيراً إلى أن أحمد، خلال عملية الإعتقال، كان احمد يرتدي سترة موقع عليها شعار "ناسا"، وغرّد آخر: "للأسف الجريمة الوحيدة التي قام بها طفل الـ14 عاماً هو انه ولد مسلماً وببشرة داكنة، إنه عالم قاس"، لترد عليه أخرى: "لو لم يكن هذا الطفل يدعى محمد، من المؤكد كانوا عرضوا عليه الإشتراك في المعرض العلمي بتكساس"، فيما نَوَّه أحدهم: "هذه المهارة والطموح لبناء شيء جديد ينبغي أن يؤدي إلى التصفيق، وليس الإعتقال.. فلنصفق لأحمد".
العرب.. بين الدعم والتشكيك!
هذه التعليقات من ناشطين غربيين قابلها دعم من قبل المسلمين العرب لموهبة احمد، واستنكار لـ "عنصرية الغرب" وسوء فهمهم للإسلام، فقال الشيخ محمد العريفي: الابن الذكي أحمد السوداني بأميركا، اخترع ساعة فاتهموه أنها قنبلة! ثم تراجعوا واعتذروا، كم في المسلمين من نوابغ مضيّعة!"، ليدعمه آخر: "الفتى اللامع السوداني المخترع.. إلى الامام يا أحمد"، وتابع آخر: "مبروك إبن الأستاذ محمد الحسن محمد الحسن هذه بداية طيبة بالتوفيق وهذا ليس غريب على السوداني منبع العلم و المعرفة لك التحية والتقدير ولكل سوداني وعربي ومسلم مجتهد".
في المقابل، شكك البعض بحيثيات الحادثة وخلفياتها فقال: "أرادو إيصال رسالة ترهيب وتخويف وطمس لعقول اطفال المسلمين لانهم يرون فيهم الجيوش التي ستحرر الاقصى وتنتصر على الظلم"، وشدد آخر مديناً الحكام على انه "لو وجد هذا الفتى في بلاده ما وجده في أميركا لكان أفضل.. لكن استبداد حكامنا وعدم إيمانهم بشعبهم هو سبب هجرة العقول إلى الغرب"، فيما دافع آخر عن موقف أميركا قائلاً: "لا يجب علينا لوم الغرب فمن الطبيعي ان يخافوا فنحن ايضا اصبحنا نخاف من اعداء الإسلام، كل هذه الحروب والدماء في بلادنا باسم الاسلام والدفاع عنه".
أحمد: لا تدع الظروف تحط من عزيمتك
أما أحمد فكان رده الأكثر نضوجاً، فقال في كلمة له بعد خروجه من السجن: "أشعر بالحزن لانهم أساؤوا فهمي"..لكنه أضاف: "لا تدع الظروف والناس تغيرك وتحط من عزيمتك افتخر بما لديك".، متمنياً "الالتحاق بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا".
كل ما أراده أحمد أن تنال ساعته إعجاب أساتذته وأن يكافؤه بنجمة يضعوها على جبينه تضيء له مستقبلاً واعداً في سماء الإبداع، لكن بعد "كابوس" السجن وقف القدر إلى جانبه لينال استحساناً من كبار السياسيين والعالم، لكن ماذا عن كثيرين آخرين يواجهون تهديدات يومية ومصير حياتهم على المحك بسبب "إسلاموفوبيا الغرب"؟! وماذا عن كثيرين آخرين يواجهون يومياً ومنذ عقود ظلماً في مواطنهم، وإجحافاً في بقاع الأرض الواسعة، أو يموتون غرقاً في البحار، من دون التفاتة قَدَر أو مُساعدة إنسان!
(خاص "لبنان 24")