تنذر الاستفزازت الاسرائيلية بحرب حقيقية قد تدور عند عتبات المسجد الأقصى، حيث يختلف ظاهر الأمر الذي يصوّر على أنه اشتباكات بين شرطة الاحتلال الاسرائيلية والفلسطينيين عن جوهره تماماً. المسألة بالنسبة للمقدسيين هي التصدي لمحاولات المتطرفين اليهود المتكررة، لتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى منذ حرب العام 1967، بتواطؤ مفضوح مع سلطة الاحتلال وأجهزتها.
الشرارة التي أطلقها سماح الشرطة الاسرائيلية لليهود بإحياء رأس السنة العبرية في باحة المسجد الأقصى نهاية الأسبوع الماضي، شكلت بالنسبة للفلسطينيين دلالة على محاولات حكومة المتطرفين في اسرائيل، تكريس واقع جديد ينطلق من السماح لليهود بأداء شعائرهم الدينية في المسجد تكرارا، أي في المكان الذي يعتبرونه «أنقاض هيكل سليمان».
الاستنفار المقدسي المتواصل منذ مطلع الاسبوع، امتد إلى مجمل الأراضي الفلسطينية، أمس، حيث شهدت مناطق الضفة الغربية وأحياء مدينة القدس مواجهات مع قوات الاحتلال، نصرة للأقصى، وتكريسا لحق الفلسطينيين في الدفاع عن مقدساتهم في وجه المحاولات الاسرائيلية تغيير «الوضع القائم» في القدس، بحسب الأعراف الدولية، استرضاءً للمتطرفين اليهود، وضمن مناخ العمل على إعلان «الدولة اليهودية».
وبالرغم من تأكيدات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، أمس، أنه مصمم على فرض ما أسماه الالتزام «الصارم» بـ «الوضع القائم» في المسجد الأقصى، يخشى المقدسيون من محاولة اسرائيل تغيير هذا الوضع الذي يعطي الفلسطينيين الحق بدخول المسجد بالرغم من القيود التي يفرضها الاحتلال، فيما لم يكن يسمح لليهود بدخوله أو الصلاة فيه إلا خلسة أو عنوة، وتحت حماية قوات الاحتلال.
وجاء في بيان عن مكتب نتنياهو أنه أكد لبان أن «اسرائيل تتصدى للعنف في جبل الهيكل (التسمية اليهودية للمسجد الأقصى) وتحافظ بصرامة على الوضع القائم».
إلا أن قوات الاحتلال نشرت، أمس، المئات من أفراد الشرطة حول البلدة القديمة في القدس بعد دعوة مختلف الفصائل الفلسطينية إلى يوم غضب للاحتجاج على الإجراءات الإسرائيلية الجديدة.
وفي نيويورك، دعا مجلس الامن الدولي الى الهدوء والحفاظ على «الوضع القائم» في المسجد الأقصى بالقسم القديم من مدينة القدس. وفي بيان بالإجماع، أعرب الاعضاء الـ15 عن «قلقهم العميق حيال تصاعد التوتر في القدس». ودعوا الى «ضبط النفس والامتناع عن القيام بأعمال أو إلقاء خطب استفزازية والإبقاء على الوضع القائم التاريخي (في المسجد) قولا وفعلا».
ونظم الفلسطينيون احتجاجات في عدة مدن من الضفة الغربية المحتلة بما في ذلك رام الله والخليل ونابلس، تحولت إلى مواجهات مع قوات الاحتلال، كما نظمت في قطاع غزة مسيرة نصرة للأقصى، في وقت كثف الاحتلال من وجود قواته عند معبر قلنديا الذي شهد تظاهرات واشتباكات مع القوات الاسرائيلية.
وبالرغم من الاجراءات التي فرضتها قوات الاحتلال، شارك آلاف الفلسطينيين في صلاة الجمعة في باحة الاقصى، في ظل مضايقات الشرطة الاسرائيلية التي أبقت الشبان الفلسطينيين ما دون الاربعين من العمر في الخارج.
وفي رام الله، تظاهر الآلاف احتجاجا على الأحداث التي شهدها الأقصى خلال الأيام الماضية. ورفع الفلسطينيون لافتة كبيرة كتب عليها «الاقصى في خطر.. جمعة الغضب» فيما حمل آخرون مجسما لقبة الصخرة.
وهتف المتظاهرون الذين ينتمون إلى مختلف الفصائل الفلسطينية «قولوا قولوا لكل الناس اقصانا هو الاساس». ودعا المتظاهرون إلى إشعال التظاهرات في الضفة احتجاجا على ما يجري في القدس هاتفين «عالشوارع يا ثوار خلي الضفة تولع نار».
واستمرت المواجهات بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال طوال يوم أمس، في القدس والضفة الغربية المحتلتين. واندلعت مواجهات عنيفة في حي جبل مكبر في القدس، وفي محيط جبل الزيتون في حيي الطور وراس العمود، وفي جوار مخيم الشعفاط للاجئين.
وفي كفرقدوم قرب نابلس أصيب ثلاثة فلسطينيين بالرصاص الاسرائيلي في أيديهم وأرجلهم وفق الهلال الاحمر المحلي. وسجلت صدامات ايضا قرب سجن عوفر الاسرائيلي ومعبر قلنديا ومخيم الجلزون، وكذلك في الخليل.
ومن المتوقع أن يرتفع منسوب الغضب الفلسطيني والمواجهات مع قوات الاحتلال بسبب تواطؤ هذه القوات مع رجال الدين اليهود والمستوطنين الذين يستعدون لإحياء أعيادهم الدينية مثل «يوم الغفران» في القدس، الأسبوع المقبل، والذي يتزامن هذا العام مع عيد الأضحى لدى المسلمين.
ويبدأ اليهود، الاسبوع المقبل، عيد المظلات (سوكوت) الذي يستمر سبعة أيام ويعد من العطل التي تدفع عددا اكبر من اليهود الى التوجه الى الحرم القدسي. ويستغل اليهود سماح الشرطة الاسرائيلية - التي يتهمها الفلسطينيون بالتواطؤ معهم - بدخول السياح الاجانب لزيارة الاقصى عبر باب المغاربة الذي تسيطر عليه، للدخول الى باحة الأقصى لممارسة شعائر دينية والإعلان أنهم ينوون بناء الهيكل مكانه.
وفي الاردن شارك الآلاف في مسيرات «جمعة الغضب للأقصى» في عدد من المدن منددين بالانتهاكات الاسرائيلية في القدس، خصوصا ضد المسجد الأقصى والمقدسات.
وكان نتنياهو قد أعلن «الحرب على راشقي الحجارة والعبوات الناسفة»، ووعد بتعزيز عمليات القمع ضد المقدسيين وتحدث عن تغيير في قواعد إطلاق النار وعقوبات ضد القاصرين من الفلسطينيين وآبائهم، كما أكد الناطق باسم وزارة العدل الاسرائيلية موشيه كوهين أن اللجوء الى قناصة ضد راشقي الحجارة في القدس، تجري دراسته.
وبحسب المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية ايهاب بسيسو، منعت قوات الاحتلال رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله ومسؤولين أمنيين فلسطينيين من العبور الى المدينة القديمة في القدس، حيث كانوا يريدون التوجه الى الأقصى.
من جانبه، أكد القيادي في حركة «الجهاد الإسلامي» خالد البطش أن فلسطين بحاجة إلى «عاصفة عربية لتحرير القدس»، مشدداً على أن «على علماء الأمة أن يفتوا بالجهاد لتحرير القدس وحمايتها»، كما أكد المتحدث باسم الحركة داوود شهاب أن «الشعب الفلسطيني لن يبقى مكتوف الأيدي حيال عدوان اسرائيل على الأقصى».
وشدد شهاب على أن «الاحتلال يجب أن يدرك أن الشعب الفلسطيني والمقاومة لن يسكتا عن اعتداءاته»، مؤكداً أن «كل ما يجري اليوم هو إحدى ثمار اتفاق أوسلو المشؤوم، والشعب الفلسطيني يعتمد على عاملي الوحدة والمقاومة».
بدوره أكد القيادي في حركة «حماس» اسماعيل رضوان أن «على السلطة الفلسطينية وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال وإطلاق يد المقاومة». وأشار إلى أن «جميع الخيارات مفتوحة للدفاع عن المسجد الأقصى».
(«السفير»، أ ب، أ ف ب)