منذ 22 آب الماضي تغيّر المشهد في الساحات وفي الوسط السياسي، حتى أنّ البعض ذهب إلى حدّ القول إنّ ما قبل هذا التاريخ لن يكون في أيّ حال من الأحوال كما قبله، مما يعني أنّ ما كان مقبولاً به قبل الإنتفاضة الشعبية لم يعد مقبولاً بعدها.
وهذا الكلام يقودنا إلى التأكيد أنّ هذا الحراك كان بمثابة الصدمة الإيجابية، التي جعلت الشعب يفيق من سباته وينزل إلى الشارع للمطالبة بالتغيير، وهو يشمل تغيير الطبقة السياسية التي لم تقدّم له ما يجعله يتمتع بأبسط مقومات العيش الكريم، من دون أن يعني ذلك التعميم.
إلاّ أنّ هذا الحراك على أهميته وأهمية ما يطالب به ينقصه الكثير لكي يكون أكثر فاعلية، ولكي يؤدي الهدف الذي من أجله نزل الناس إلى الشارع، بعيداً عن الغوغائية والشعارات التي لا تعدو كونها "فشة خلق" وصرخة في وجه الجميع.
ما ينقص هذا الحراك، لكي يكون متوازياً مع ديناميته، هو التخطيط والتنظيم وتقديم مشاريع حلول، إذ لا تكفي المطالبة بإيجاد حلّ لأزمة النفايات مثلاً من دون تقديم حلول عملية وعلمية للتخلص من هذه المشكلة، التي تبدو مستعصية، على رغم الجهود التي يبذلها الوير أكرم شهيب.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى ملف الكهرباء، وإلى كلّ ملف من الملفات التي تفوح منها رائحة الفساد المستشري. فالمطالبة بوقف الهدر وقطع دابر الفاسدين والمفسدين من دون تقديم خطة بديلة مقنعة وبديلة تبقى مطالبة في الهواء، وتبقي حركة الشارع دون مستوى النتيجة المتوخاة والمطلوبة، وإلاّ نكون كمن يدور في حلقة جهنمية مفرغة.
ربّ قائل بأنّ أيّ بداية تكون متعثرة بعض الشيء، وفي هذا القول الكثير من الواقعية والمنطق، ولكن ما يهمّنا هو ألاّ يبقى هذا الحراك في تعثره، خصوصاً أنّ المستفيدين من عامل الوقت يراهنون على وهن هذا الحراك وعلى دخوله في الرتابة والملل والإنحلال التلقائي.
شهر من الحراك قد لا يكون كافياً لإحداث التغيير المطلوب وهو خطوة أولى في مشوار ألف ميل من المثابرة والتخطيط والتنظيم والإقدام والتقدم بمشاريع حلول بديلة من شأنها أن تفتح كوة في جدار الأزمات المتراكمة، وتضيء بصيص أمل في النفق المظلم.