قد يتذكر البعض الخوف الذي عانى منه أهالي ساحل المتن الشمالي لمدة ثلاثة أشهر بسبب ما عرف وقتها بـ"سفاح سائقي التاكسي"، بعدما شهدت المنطقة حصول إحدى عشر جريمة قتل على التوالي كان فيها القاتل يجهز على جميع ضحاياه من سائقي التاكسي بالأسلوب نفسه. يومها قيل إن لبنان يشهد أول مسلسل قتل في تارخه لكي يتبين لاحقاً أن العمليات نفذت على يد خمسة أشقاء سفاحين يقطنون في برج حمود تم اعتقالهم جميعاً، وقد رجح المسؤولون الأمنيون فرضية أن يكون القتلة مهوسين مرضياً أو أنهم يقلدون الأفلام السينمائية، إذ لم يتمكن المحققون من تحديد مبرر واحد يثبت عكس ذلك، خصوصاً أن القتلة لا يعرفون أحداً من الضحايا.
لم يعد الموت في لبنان في كثير من الأحيان قضاء وقدراً ، فلا يكاد المواطن يستفيق من هول صدمة جريمة حتى يغرق مباشرة في أخرى أكثر عنفاً ودموية، واللافت أن غالبيتها تحمل أسم الجرائم الفردية، ولا تلبث أن تنتهي من دون أن نفهم ما الذي حصل ومن عواقب فتطمس القضايا على رغم أن لكل جريمة فاعلاً معروف الأسم والعنوان والدوافع.
ثمة من يقول إن الجريمة هي حالة شاذة موجودة داخل المجتمعات منذ قايين (قابيل) وهابيل، لكن الإعلام ساهم في الإضاءة على ما يعرف بعلم الجريمة فازداد الكلام عن ارتفاع نسبة الجرائم وتحديداً جرائم العنف الأسري، فهل نسبة الارتفاع هي نسبة طبيعية؟ معقولة؟ كبيرة؟ لا نعلم لكن الأكيد أن شيئاً ما في مفهوم التعاطي بين البشر قد تغير، قد يكون انعدام الانسانية أو إحساس المجرم بانعدام السلطة التي ستحاسبه مع توسع مروحة الوساطات التي يقوم بها سياسيون وزعماء لتغطية القتلة والمجرمين أو ربما ارتفاع معدل النازحين السوريين وارتفاع معدل مشاهد القتل والوحشية على الشاشات.
لعلم الاجتماع تفسيراته المتعددة منها أننا نعيش في جو حرب يحرض على الإجرام، الخلافات السياسية، الانقسام السياسي الناتج عن تداعيات الوضع السوري في الداخل اللبناني، الضائقة الاقتصادية والاجتماعية وغياب صورة الدولة القوية كلها عوامل مساعدة من دون أن نغفل عامل التربية والثقافة والمحيط الذي ينشأ فيه أي فرد، فالفقر والجهل هما من أهم الأسباب التي تؤدي الى الجريمة.لكن رغم ما تقدم فلا يمكن حصر ارتفاع معدل الجريمة في لبنان بسبب أو اثنين، لأن البلد يعاني فلتاناً على مستويات عدة تصب كلها في المزيد من الإهتراء العام والشامل، والجريمة، من القتل وصولاً الى النشل وما بينهما، تجد في مثل هذا الاهتراء أرضاً خصبة للتكاثر، علماً أن ظاهرة تزايد عمليات القتل والسلب والخطف مقابل فدية يعود سببها الى حالة التفلت الأمني الناتج عن الفراغ السياسي الحاصل في البلد والذي يترك للمجرمين " مساحة للهو" في المناطق "الرخوة" أو التي تصنف بعيدة عن يد الدولة.
مديرية قوى الأمن الداخلي – شعبة المعلومات- كان لها كلام آخر في هذا الموضوع عندما أصدرت تقريراً أمنياً يفيد بانخفاض معدلات الجنايات والجنح المهمة مثل القتل والسلب والاغتصاب المرتكبة خلال النصف الأول من العام الجاري مقارنة مع تلك الحاصلة خلال الفترة ذاتها من العام المنصرم حيث يستدل، بحسب التقارير، أن ثمة تراجعاً في عدد الجرائم.
الصورة التي تظهرت في الأشهر الأخيرة باتت تطرح أكثر من علامة استفهام حول أسباب تفاقم الجريمة لكن الثابت أنه، على رغم كل الحالات الشاذة، فإن لبنان يصنف من بين الدول الآمنة نسبياً مقارنة مع دول أكثر استقراراً.