تعزز روسيا تدخلها في الأزمة السورية عبر حشد المزيد من آلتها العسكرية وبناء قواعد عسكرية في مناطق استراتيجية شمال غرب سوريا، وسط أحاديث إعلامية عن تدريب آلاف الجنود الروس من الوحدات الخاصة لنشرهم هناك لاحقاً. واللافت أن تعزيز هذا الدور العسكري الروسي تقابله تطمينات متكررة لإسرائيل وتأكيد لتبادل المعلومات مع روسيا بشأن الحرب الدائرة في ذلك البلد، مع تأكيد طهران التنسيق مع موسكو، وتغطية واشنطن خطوات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باعتبارها لحماية قواته في شرق المتوسط.
وقالت صحيفة «وول ستريت جورنال« أمس إن صوراً جديدة التقطتها الأقمار الصناعية تظهر فيما يبدو قوات روسية تطور قاعدتين عسكريتين أخريين في سوريا. وأضافت الصحيفة أنها شاهدت الصور لدى نشرة «آي.إتش.إس جينز« للمعلومات الدفاعية، وأضافت أن عمليات التطوير التي لم يكشف عنها من قبل تجري قرب ساحل سوريا على البحر المتوسط.
وتسلم النظام السوري مقاتلات وطائرات استطلاع روسية فضلا عن معدات عسكرية. وقال مصدر عسكري رفيع في النظام: «نستطيع تأكيد وصول خمس طائرات روسية على الاقل وعدد غير محدد من طائرات الاستطلاع يوم الجمعة الماضي» الى قاعدة عسكرية في مدينة اللاذقية. واضاف المصدر «بدأ يظهر أثر السلاح الروسي على الأراضي السورية، وافتتح الجيش السوري استخدامه لهذه الأسلحة في مدينتي دير الزور (شرق) والرقة (شمال)، تحديدا في استهدافات على أرتال لتنظيم «داعش».
وقتل 17 مدنيا على الاقل، بينهم سبعة اطفال، الاثنين في غارات جوية لطائرات النظام استهدفت بلدتين يسيطر عليهما التنظيم المتطرف في دير الزور.
واشار المصدر العسكري الرفيع المستوى الى «أسلحة نوعية لديها إصابة دقيقة للهدف، ولدى بعضها صواريخ موجهة عن بعد»، لافتا الى انها «اسلحة دفاعية وهجومية ولا تقتصر على الطائرات«.
واكد مصدر عسكري آخر في مدينة اللاذقية انه بالاضافة الى الطائرات المقاتلة «وصلتنا أيضا أسلحة استطلاع جديدة تساعد في تحديد مكان الهدف بدقة متناهية (...) بالإضافة إلى رادارات مرافقة لها ومناظير ليلية«.
والاثنين، ذكرت صحيفة «كومرسانت» الروسية ان العقد الساري بين موسكو ودمشق ينص على تسليم سوريا «خمس مقاتلات من طراز ميغ 29 ام/ام 2 بحلول العام 2016 وثلاث اخريات بحلول 2017«. كما أن روسيا ستسلم حليفتها ايضا «مجموعة اولى» من طائرات التدريب «ياك 30«. واكدت ان «ليس هناك اي عقود جديدة وأن كافة الاسلحة والمعدات تسلم (الى نظام الاسد) وفقا لعقود موقعة سابقا«.
ونقل الموقع الاخباري الروسي «ار بي كي» عن الخبير العسكري فلاديمير ايفسييف ان موسكو تبحث في امكانية دعم قوات بشار الأسد من خلال طائراتها ولكن ليس قبل السابع من تشرين الاول، موعد انتهاء المناورات العسكرية الروسية في البحر المتوسط.
وأمس أكدت موسكو تبادل المعلومات مع إسرائيل بشأن الوضع في سوريا، وذكر دميتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الرئيس الروسي في تعليق للصحافيين أن موسكو وتل ابيب اتفقتا على إطلاق قناة لتبادل المعلومات حول التطورات في سوريا. وقال: «نظرا لاستمرار توتر الأوضاع للغاية في سوريا، والتي تتجه في الكثير من جوانبها نحو التدهور، اعتبرنا في هذه الحالة وانطلاقا من علاقات الشراكة بين روسيا وإسرائيل أنه من الأجدى إطلاق قناة لتبادل المعلومات في هذا الإطار الحساس، وهذا ما تطرق إليه الحديث يوم (أول من) أمس«.
وأوضح بيسكوف أن المحادثات الروسية ـ الاسرائيلية «تناولت ضرورة تبادل أوسع للمعلومات والتنسيق على هذا المسار بين روسيا وإسرائيل«.
وفي إسرائيل، ذكرت صحيفة «ميكور ريشون» اليمينية، والمقربة من دوائر الحكم في تل أبيب، أمس، أن آلية التنسيق بين روسيا واسرائيل، تضمنت تحديد الأماكن التي ستعمل فيها القوات الإيرانية داخل سوريا ضد قوى المعارضة المسلحة، وإبلاغ إسرائيل بها خشية وقوع احتكاكات غير مناسبة.
وقالت صحيفة «يسرائيل هيوم» المقربة من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، إنه بخلاف الانطباع السائد، فإن العمليات العسكرية الروسية في سوريا ستشمل كل قوى المعارضة السورية التي تهدد نظام الأسد ولن تستهدف فقط تنظيم «داعش».
كما كشفت صحيفة «هآرتس»، النقاب عن أن كلا من غادي إزينكوت رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي والجنرال فاليري جراسيموف رئيس هيئة أركان الجيش الروسي، اتفقا على فتح خط ساخن بين قيادتي الجيشين لتنسيق عملياتهما في سوريا.
وعلى الرغم من زخم التنسيق الروسي ـ الإسرائيلي، نقلت وكالة الاعلام الروسية عن حسين أمير عبد اللهيان نائب وزير الخارجية الإيراني قوله أمس إن موسكو وطهران ستفعلان كل ما هو ممكن للمساعدة في حل الأزمة السورية. وأضاف في مؤتمر صحافي في موسكو «تعتزم طهران وموسكو استخدام كل الإحتمالات والإمكانات لمساعدة سوريا على الخروج من هذه الأزمة«. وتابع أن روسيا وإيران ستواصلان الحوار مع المعارضة السورية، لكنه قال إن الأسد يجب أن يكون جزءا من أي حل سياسي للأزمة السورية.
وفي تغطية أميركية للخطوات الروسية، قال وزير الخارجية الاميركي جون كيري امس إن تقييما للجيش الأميركي يشير إلى أن نوع الطائرات الروسية في سوريا يتسق مع مهمة «حماية للقوات». وقال للصحفيين «في الوقت الحالي فإن تقدير جيشنا وخبرائنا هو أن المستوى والنوع يمثل بالأساس حماية للقوات«، غير أنه قال إنه بناء على قرارات روسيا في المدى البعيد فإن وجود الطائرات الروسية في سوريا ربما يثير بعض التساؤلات.
وفي انتقاد جديد لسياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما في سوريا، دعا رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (سي آي ايه) السابق ديفيد بترايوس امس الولايات المتحدة الى اداء دور اكبر في الازمة السورية بما في ذلك فرض مناطق حظر جوي لمنع طائرات النظام من القاء البراميل المتفجرة.
وفي كلمة امام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الاميركي قال بترايوس ان التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لقتال تنظيم «داعش» لم يحقق تقدما «كافيا» في العراق وسوريا، مؤكدا ان الحرب في سوريا هي «شيرنوبيل جيوسياسي».
واضاف ان «تداعيات انهيار سوريا قد تبقى ماثلة لفترة طويلة (...) وكلما سمحنا (لتلك الحرب) بان تستمر لفترة اطول، كان الضرر اكثر فداحة».
وركزت شهادة بترايوس على المعضلة التي تواجه المسؤولين الغربيين بشأن الرئيس الاسد. فالولايات المتحدة ترغب في خروجه من السلطة على المدى الطويل، ولكنها لا ترغب كذلك في تنحيه من دون ان تعرف من الذي سيخلفه.
وقال بترايوس «المشاكل في سوريا لا يمكن حلها بسرعة. ولكن هناك خطوات يمكن للولايات المتحدة وحدها ان تتخذها لتحدث فرقا. فيمكننا على سبيل المثال ان نبلغ الاسد ان استخدام البراميل المتفجرة يجب ان يتوقف. وانه اذا استمر في استخدامها، فاننا سنمنع المقاتلات السورية من التحليق. لدينا القدرة على ذلك».
واوضح ان «ذلك لن ينهي الازمة الانسانية في سوريا (...) ولكنه سيزيل سلاحا شرسا من ترسانة الاسد». كما اعرب عن تأييده اقامة جيوب آمنة في سوريا لحماية السكان المدنيين.
وفي لندن، قال وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون أمس إن بريطانيا لم تناقش مع روسيا مسألة التحرك العسكري في سوريا، مضيفا أن التحرك الروسي هناك في الأسابيع الأخيرة زاد الوضع تعقيدا. وقال فالون أمام المعهد الملكي للخدمات المتحدة وهو وكالة بحثية معنية بالدفاع والأمن «لم نناقش مع الروس العمليات العسكرية ضد داعش في سوريا.» وأضاف «من الواضح أن التحرك الروسي في الأسابيع القليلة الماضية من نشر سفن وطائرات في المنطقة يزيد من تعقيد وضع معقد جدا بالفعل«.
(أ ف ب، رويترز، روسيا اليوم، «المستقبل»)