النفايات.. "الشغل الشاغل" للبنانيين الذين يهابون إنهمار الأمطار وانتشار التلوّث وانبعاث الأمراض من الروائح الكريهة لدى اختلاط المياه بالأكياس المكدّسة على الطرقات. وفي هذا الصدد شرح المختّص في الكيمياء والباحث في سبل التخلّص من النفايات، الدكتور المحاضر في الجامعة اللبنانية أكرم حجازي، والدكتور علي يوسف المختص بالكيمياء والإقتصاد، والذي يقيم أبحاثًا عن سبل بديلة للنفط في فرنسا وكيفية استخراجه وإعادة تكرير النفايات للاستفادة منها.
في البدء يؤكد حجازي ويوسف أنّ السبل البسيطة والتي تحتاج إلى ميزانيات متوافرة للتخلّص من النفايات، مشيرين إلى لبنانيين كُثرا مختصون في هكذا ملفات في فرنسا، إلا أنهما يأسفان للحلول السياسية على حساب العلمية والبيئية.
ويشرح يوسف أنّه إذا بقي إستهلاك النفط على وتيرته الحالية، فقد ينفذ بعد حوالى 70 عامًا، مشيرًا إلى أنّ الدول المتطورة بدأت تبحث عن بدائل، وأبرزها استخراج النفط بمسمياته من النفايات، أو اللجوء إلى صنع احتياجاتنا اليومية من مواد عضوية تتحلّل خلال فترة قصيرة، بدلاً من المصنوعات البترولية التي تحتاج إلى مئات السنوات أحيانًا للتفكك. وضرب مثلاً على ذلك الأسبيرين، الذي يصنّع بكمية 15 ألف طن سنويًا من البترول، وإذا غاب البترول لا بدّ من استكشاف مواد أخرى، معتبرًا أنّ النفايات "ذهب" لا نعرف كيف نستغلها. وأوضح أنّه حتى الزيت الذي نرميه بعد "القلي" في المنازل والمطاعم، يحوّل في بعض البلدان إلى بيوديزيل للآلات الكبيرة، ويمكن استخراج البيوفيول للطائرات من التبن، موضحًا أنّ النفايات من المزروعات والأخشاب الناتجة عن المفروشات المكسورة والشمندر وقصب السكر تحتوي سكرا يمكن تحويله إلى مصنوعات.
إلى ذلك، يشرح الدكتور حجازي أن هناك 4 طرق للتخلّص من النفايات (المطمر الصحي، المحرقة، الحرق من دون أوكسيجين والمطمر بجانب كل منزل)، واستفاض بالشرح عن شروط كلّ حلّ، معتبرًا أنّ الحل الذي اقترحته وزارة الزراعة يجب أن تكون المطامر من خلاله صحية أي بعيدة عن التجمعات السكنية ووضع مواد عازلة تحته كي لا تتسرب المواد السامة إلى المياه الجوفية، إضافة إلى أحجار ثم أغصان، ويمكن إستخراج الغاز الذي يولّد الطاقة من المطمر لتُضاء كل منطقة فيها مطمر 24/24 من خلال النفايات، لافتًا إلى أنّ ولايات بأكملها في الولايات المتحدة الأميركية تأخذ الضوء من خلال المجاري الصحية فقط.
أمّا عن المحرقة، فبالطبع لها تداعيات صحية لما تبعثه من غازات سامّة، لكن يمكن أخذ الغاز منها لتشغيل التدفئة في المدارس والمؤسسات الكبيرة، وما يبقى من النفايات بعد الحرق لا يتعدّى 2% يمكن استخدامه تحت الزفت خلال تعبيد الطرقات، أمّا الحديد فيعاد تدويره. لكن وبما أنّ هذا الحلّ ليس سليمًا ويكلّف الدولة إقتصاديًا، لأنّ الحرق يحصل على 800 درجة مئوية ما يؤدي إلى استهلاك كبير للطاقة، يستطرد الدكتور يوسف أنّ مشاريع تُقام حديثًا على "Pyrolyse" أي حرق النفايات على 80 درجة مئوية باستخدام أنزيمات وبكتيريا تتلف النفايات، وبهذه الطريقة تتحول المواد العضوية إلى غاز والفحم لكهرباء، ورغم أن هذا المشروع سيكلّف الدولة ميزانية عالية لدى إنشائه إلا أنه سيسمح بالإستفادة من النفايات على المدى الطويل.
أما عن المطمر إلى جانب المنزل فيوضح حجازي أنّ29% من النفايات هي مواد عضوية، فيمكن بعد الفرز من المصدر، وخاصة في القرى رمي هذه المواد في حفرة خاصة وهي تتحلل في مدة أقصاها 6 أشهر، ما يفيد الأرض ويخفف من كمية النفايات.
كذلك يلفت إلى أنّ الهواتف القديمة يجب عدم رميها، بل تفكيكها واستخدام بطاريتها وما في داخل الهاتف لصناعات جديدة، كذلك الربطة البلاستيكية لكيس الخبز، ويمكن إستخدام العجلات التي تحتاج إلى مئات السنين للتحلل من خلال وضعها في البنى التحتية قبل البناء ليصمد في الزلازل، فكلها أمور بسيطة، لو أقيمت حملات توعوية لبدأ كل مواطن بتحدي أزمة النفايات من منزله. وأشار إلى أن في نيسان من كل عام يقام "يوم الفرز" ترافقه حملات للطلاب في المدارس كي يدركوا أهمية الفرز. وهنا يتدخل الدكتور يوسف ممازحًا أنّه يمكن إستقدام "خنازير" للتخلص من النفايات، فهذه الحيوانات تأكل جميع النفايات والجيف وتعود لتأكل الأوساخ التي تنتجها هي، موضحًا أنّ الحلول موجودة والأدمغة اللبنانية كذلك، ولكن المتخصصين لم يُسألوا عن حلول من جانب الدولة.