يطرح التحرك الروسي الناشط في شأن الازمة السورية تساؤلات كثيرة حول أبعاده وخلفياته وأهدافه، خصوصاً انه يأتي في وقت تشهد فيه هذه الازمة وبقية الازمات السائدة في المنطقة تصعيداً يتفاوت منسوبه بين هذه الدولة وتلك، ويوحي بأن زمن الحلول لم يدنُ بعد.
ويقول سياسيون لبنانيون عادوا من لقاءات عقدوها مع مسؤولين روس في موسكو قبل أيام لـ"لبنان 24" ان القيادة الروسية تتحرك في المنطقة عموماً، وفي سوريا خصوصاً، من مسلّمة توصلت اليها، وهي ان حل الازمة السورية هو المدخل لحل كل الازمات في المنطقة، وذلك خلافاً للاعتقاد الذي يتحدث به البعض، وهو ان هذه الحلول ل يمكن أن تبدأ إلا من اليمن غير السعيد هذه الايام.
وينقل هؤلاء السياسيون عن الموفد الخاص للرئيس الروسي ميخائيل بوغدانوف قوله ان موسكو تتعاطى مع الوضع السوري على أساس ان أمن روسيا هو من أمن سوريا، وأن حل الازمة السورية هو المدخل لحل كل الازمات في المنطقة ، لان سوريا باتت الملجأ لكل قوى الارهاب والتطرف في العالم والمصدر لكل ما تشهده دول المنطقة من فتن واضطرابات. ولذلك لا بد من اجتثاث الارهاب في البلاد السورية بما ينعكس ايجاباً على بقية الدول التي يتهددها هذا الارهاب بما فيها دول الاتحاد الروسي.
ويعتبر بوغداف ان الأزمة في اليمن لا تحل الا سياسياً، وان كل من المملكة العربية السعودية والجمهورية الاسلامية الايرانية مخطئتان في الطريقة التي تتعاطيان بها مع تلك الازمة، وان هذه الازمة مرشحة لأن تطول كثيراً اذا لم يقتنع المعنيون بجدوى الحل السياسي.
ويصف بوغدانوف العلاقة القائمة بين روسيا ومصر بأنها علاقة استراتيجية، وان المطلوب ان تستعيد مصر دورها العربي الكبير، الذي كان لها منذ أيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وان تساهم بفعالية في حل الازمات التي تعيشها الدول العربية، سواء في المشرق أو في المغرب. كذلك يشدد بوغدانوف على وجوب عودة المثلث العربي المصري ـ السعودي ـ السوري الى دوره لأنه يشكل النواة الصلبة لأي تضامن عربي. وإذ لفته محدثوه الى عدم نسيان العراق ليكون هذا المثلث مربعاً، رد بوغدانوف بالايجاب مكررا القول ان حل الازمة السورية من شأنه ان يساعد العراق أولاً على الخروج من أزمته، مؤكدا انه لن يكون هناك تقسيم لسوريا ولا لأي دولة في المنطقة مهما كلف الأمر.
ويشدد بوغدانوف على ان الحل السوري الذي تعمل عليه موسكو ينطلق من مسلمة ضرورة الشراكة الاقليمية والدولية مع النظام الحالي برئاسة الرئيس بشار الاسد الذي يحارب الارهاب المتنوع الصنوف، الذي تسلل الى سوريا حتى من بعض دول الاتحاد الروسي، مشيرا الى ان روسيا ستقدم للأسد المزيد من الدعم السياسي والعسكري، وان الخطوات العسكرية التي اتخذتها موسكو على الساحة السورية في موازاة الجهود الديبلوماسية التي تبذلها، إنما تندرج في اطار تشكيل التحالف الاقليمي ـ الدولي الفعلي للقضاء على الارهاب في سوريا والمنطقة والانطلاق الى تحقيق الحلول السياسية بدءا بالازمة السورية.
وفي موضوع لبنان يشدد بوغدانوف على أن حل أزمته يكون بالحوار وتجنيبه الاختراقات الارهابية التي تهدد ساحته، وان المطلوب من القوى السياسية اللبنانية ان تتفق سريعا على انتخاب رئيس جديد للبلاد، وان موسكو تؤيد اي خيار يلتقي حوله اللبنانيون في هذه المجال.
اما في الموضوع الفلسطيني فإن موسكو ترى ان الفلسطينيين يخطئون في استمرار الخلافات في ما بينهم، وان المطلوب منهم الخروج من هذه الخلافات الى رحاب الوفاق الجامع الذي يمكّنهم من اقامة دولتهم المستقلة، لأن هذه الخلافات تهدد القضية الفلسطينية بالزوال وتحقق أكبر خدمة لإسرائيل التي لا تريد في الاساس قيامة هذه الدولة على رغم كل اتفاقاتها مع الفلسطينيين منذ إتفاق اوسلو وحتى اليوم.
ويخرج زوار موسكو في الختام بإنطباع مفاده ان لا صوت يعلو في أروقة الكرملين وساحته الا ويصدح بسوريا، لانها باتت مبتدأ الحلول لأزمات المنطقة ومنتهاها.
("لبنان24")