رغم أن ثمة عوامل داخلية عديدة مهّدت الطريق أمام تصاعد نشاط التنظيمات المتطرفة في كثير من الدول العربية، فإن ذلك في مجمله، رغم أهميته، لا ينفي أن السياسات التي تبنتها العديد من القوى الدولية والإقليمية في منطقة الشرق الأوسط دعمت بدورها انتشار تلك التنظيمات.
وبحسب دراسة اعدها "المركز العربي للبحوث والدراسات"، فان القوى الدولية والإقليمية كانت رقماً مهماً في تحويل تلك التنظيمات إلى مصدر رئيسي للتهديدات النوعية الجديدة التي باتت تواجهها الدول العربية في الوقت الحالي، وهو ما يمكن تناوله في النقاط التالي:
أولاً: الأخطاء الأميركية في العراق
البداية الحقيقية لظهور بعض تلك التنظيمات وعلى رأسها تنظيم "داعش" تعود إلى الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، حيث ارتكبت إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش أخطاء إستراتيجية عديدة فرضت تداعيات وخيمة على العراق.
ومن دون شك، فإن تلك الإجراءات لم تضع في اعتبارها أن النظام البعثي العراقي، على غرار بعض الأنظمة السياسية العربية، حرص، في الفترة السابقة على الاحتلال، على التغلغل داخل مفاصل الدولة، وتمكين الأقلية التي شكلت نواته الصلبة من السيطرة على مؤسسات الدولة.
ثانياً: الارتباك الأميركي في المنطقة
وبالطبع، فإن حالة التردد والارتباك التي تتسم بها السياسة الأميركية تجاه الأزمات الإقليمية المتعددة في المنطقة، أسهمت بدورها في تصاعد نشاط التنظيمات المسلحة. إذ يبدو جليا أن إدارة باراك أوباما لم تتمكن حتى الآن من بلورة إستراتيجية واضحة المعالم للتعامل مع تطورات الأزمة السياسية والأمنية في العراق وسوريا على سبيل المثال.
كما أنها ما زالت حريصة على تجنب المشاركة بقوة في المواجهات المسلحة مع التنظيم، وهو موقف يشير إلى أن واشنطن تتجه في الوقت الحالي إلى الانسحاب تدريجيا من مناطق الأزمات في المنطقة لصالح الاهتمام بانتقال الثقل الدولي إلى آسيا، حيث تتصاعد قوة الصين على الساحة الدولية تدريجيًا.
ثالثاً: سياسات دولية خاطئة
شاركت بعض القوى الدولية الأخرى، على غرار الدول الأوربية وفي مقدمتها فرنسا، في تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية في المنطقة، إذ إن مسارعة تلك القوى إلى التدخل بقوة في الأزمة الليبية، على سبيل المثال، فرض في النهاية تداعيات وخيمة على حالة الاستقرار السياسي والأمني داخل ليبيا وخارجها.
إذ إن التدخل العسكري من جانب حلف الناتو، بمقتضي قرار مجلس الأمن رقم 1973 الصادر في آذار 2011، الذي أدى إلى سقوط نظام القذافي، دون الاستقرار على البديل الذي يستطيع ملء الفراغ الناتج عن ذلك وإدارة شئون الدولة، أدى في النهاية إلى تحول الصراع في ليبيا إلى حرب أهلية بين الأطراف المختلفة، استغلتها الميليشيات المتطرفة لتوسيع نشاطها داخل ليبيا واتخاذها نقطة انطلاق للتمدد إلى داخل دول الجوار، على غرار مصر وتشاد والنيجر والجزائر.
رابعاً: مواقف إقليمية مواتية
كذلك، وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال التداعيات السلبية التي فرضتها السياسات التي تبنتها العديد من القوى الإقليمية، ففي الأزمة السورية، سعت العديد من القوى الإقليمية، على غرار تركيا وبعض دول مجلس التعاون الخليجي، إلى تسليح قوى المعارضة السورية من أجل تمكينها من إجراء تغيير في توازنات القوى الإستراتيجية لصالحها. لكن هذه السياسة قوبلت بتردد أميركي يمكن تفسيره بخشية واشنطن من إمكانية استفادة التنظيمات المتطرفة من المساعدات العسكرية التي يمكن تقديمها لقوى المعارضة، حيث سعت في هذا السياق إلى التمييز بين "المعارضة المعتدلة" التي يمكن دعمها و"المعارضة المتطرفة". إلا أن بعض تلك الدول تسعى إلى توسيع نطاق القوى التي يمكن التعويل عليها في مسعى إسقاط النظام السوري، وهو ما ساعد في النهاية التنظيمات المتطرفة على التمدد داخل سوريا.
فضلا عن ذلك، فقد أسهمت السياسة التي تبناها نظام الرئيس السوري بشار الأسد وحلفاؤه في تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية. إذ يبدو جلياً أن تلك الأطراف تغاضت عن تسلل أعداد كبيرة من المقاتلين الذين انضموا إلى تنظيم "داعش" و"جبهة النصرة" إلى داخل سوريا.
ومن هنا يمكن القول إن العمليات التي قام التنظيم بتنفيذها في بعض العواصم الغربية على غرار الهجوم على صحيفة "شارلي إبدو" الفرنسية في 7 كانون الثاني 2015، صبت في صالح النظام السوري وحلفائه، لأنها أسهمت في تصاعد مخاوف الدول الغربية من التداعيات المحتملة لسقوط الأسد في الوقت الحالي دون ظهور بديل قادر على إدارة شئون الدولة بعده.
وقد أسهمت تلك العمليات في اندفاع عواصم غربية عديدة إلى تبني سياستين: أولاهما، محاولة فتح قنوات تواصل "أمنية" مع نظام الأسد، لا سيما للتعامل مع ما يسمى بـ"العائدين من سوريا"، حيث انضم عدد كبير من المقاتلين الأجانب إلى التنظيم، ويسعى بعضهم إلى العودة لدولهم الأصلية بكل ما يمكن أن يفرضه ذلك من تداعيات سلبية على أمنها القومي.
وثانيتهما، اتخاذ إجراءات متشددة لمنع خروج بعض العناصر المتشددة من هذه الدول للانضمام إلى التنظيمات المتطرفة في المنطقة، لا سيما بعد الهجمات التي تعرضت لها العديد من العواصم الغربية.
يمكن قراءة النص كاملاً
بالضغط هنا
(المركز العربي للبحوث والدراسات)