على وقع طاولة الحوار المزنرة بهتافات الشباب اللبناني الرافض لطبقته السياسية الماسكة بزمام الحكم الناقم على الدولة ومؤسساتها بفعل ما أورثه المتحكمين به من فساد وبطالة وانهيار اجتماعي واقتصادي، يبدو أن عاصمة لبنان الثانية طرابلس قد "كسرت سفرة" الحوار ساحبة معاناتها الاساسية من حبر المبادرات واللجان والوعود والاخذ والرد، الى طبق الطعام الفعلي، إذ إن ابناء مدينة طرابلس على موعد قريب من حلّ شافي لمعضلة الكهرباء حيث أعلن الرئيس نجيب ميقاتي مؤخرا عن تأسيس شركة "نور الفيحاء" لتأمين الطاقة الكهربائية بشكل مستدام لمدينتي طرابلس والميناء وضواحيهما، وجرى للغاية تقديم طلب من مقام رئاسة مجلس الوزراء بواسطة وزارة الطاقة والمياه للترخيص لها للقيام بهذه المهمة،
كما كشف عن وجود ثلاثة مشاريع هامة أخرى شارفت دراستها على نهايتها وذلك في اطار "مشروع ثمار طرابلس" الذي اعلن عنه سابقا،حيث "يُنتظر أن يكون لهذه المشاريع مردود إيجابي على مدينة طرابلس وان توفر مئات فرص العمل المباشرة وغير المباشرة"،
بالطبع وبغض النظر عن الأهمية الاقتصادية والاجتماعية والانمائية الكبيرة التي قد يتسم بها هذا النوع من المشاريع، الا ان القراءة السياسية التي يرخيها هذا النوع من المشاريع قد يشير الى النقاط التالية:
-زرع صفحة جديدة في تاريخ طرابلس السياسي تضع حداً لكل حالات "الجر" والانجرار في الانقسامات التقليدية والعصبيات والارتهان بمختلف وجوهه، الذي طبع تاريخها على مدار عقود، من خلال ايلاء المشاريع الحياتية والاقتصادية والانمائية الاولوية على أية مشاريع أخرى ترتهن المواطن وتجعله في موقع المحتاج "الممسوك من يده التي تؤلمه".
- ان الاقدام على انجاز هذا النوع من هذه المشاريع من شأنه ان يبعث اشارات تطمين للداخل والخارج على ان مدينة طرابلس اقفلت صندوق بريدها ورمت به في وجه مفتعلي الحرائق فيها من اصحاب المصالح السياسية بعدما خزلوها وخزلوا ابنائها عهودا طوال بوعود لم تحصد لهم سوى الاتهام بالتطرف والخروج عن الدولة والمهانة.
-هي اشارة الى كل من فريقي 8 و14 آذار الى ركن "باص" سياستهما الحالية جانبا بعدما ثبت فشهلما في قيادة البلاد بالاتجاه الصحيح والسليم ،فكانت طرابلس من اكثر المدن اللبنانية التي دفعت الثمن غاليا من بشر وحجر وانماء نتيجة لهذه السياسة، ودعوتهما بالتالي لتغيير هذه السياسة باتجاه ما يخدم مشروع الدولة والمواطن دون اي مشروع آخر.
- اختراق النهج الوسطي حواجز الانقسام الاذاري في الساحة السياسية الطرابلسية وظهور حالة كبيرة من التململ وعدم الثقة سيما في صفوف التيار الازرق، نتيجة عدم وفاء رئيسه سعد الحريري بالوعود وبخاصة الاخيرة التي قطعها على نفسه لطرابلس اثر تنفيذ الخطة الامنية ومرور عام ونصف عليها دون تنفيذ اي شيء منها، الامر الذي يشير الى اقبال العاصمة الثانية طرابلس على مفاجئات سياسية من العيار الثقيل، تأتي ترجمة للمرحلة السياسية الجديدة التي يبدو ان لبنان على موعد قريب منها، والتي يبدو ايضا، انه ستختفي فيها أصوت المحادل الانتخابية والشعارات المذهبية والطائفية الخاوية، لتحل محلها وجوه سياسية جديدة ذات نفس وطني معتدل، وذلك على اساس قانون انتخابات نسبي سيشكل مدخلاً لحل كل الملفات العالقة.
- تمكن الرئيس ميقاتي من خلال سلوكه الوسطي ومواقفه المعتدلة وممارساته السياسية الحكيمة من حجز مقعد هام له في ساحة الاهتمام الدولي خاصة بعد سلسلة القرارات الهامة والجريئة التي اتخذها في عهد حكومته الاخيرة والتي استطاع من خلالها تجنيب لبنان نيرانا كثيرة، حيث لم تنقطع الدبلوماسية الخارجية حتى بعد انتهاء ولاية حكومته، عن اللقاء به والتواصل معه في اطار التباحث حول المستجدات التي يعيشها لبنان والمنطقة ، ومؤخرا كان للرئيس ميقاتي لقاء هام مع وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس كان ابرز ما تناولا فيه "دعم لبنان الدولي والعربي لمواجهة التحديات الكثيرة الماثلة أمامه".
إذا، كل ذلك يحمل مؤشرات تشير الى النفس السياسي الجديد الذي يتوسع انتشاره في أجواء الساحة السياسة اللبنانية والتي يبدو أن العاصمة طرابلس ستشكل اللبنة الاولى في إبرازه.
(ميرفت ملحم - محام بالاستئناف)