فتح الباب واسعا بين ليلة وضحاها أمام جردة حسابات الربح والخسارة بين موسكو وواشنطن على الأراضي السورية. ورسمت مواقف الرئيسين الأميركي باراك اوباما والروسي فلاديمير بوتين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الخطوط العريضة لسياسة الطرفين تجاه الأزمة السورية. واكتشف العالم أجمع ان الخلاف ما زال كبيرا حول مصير الرئيس السوري بشار الأسد وقضايا أخرى مختلفة ما خلا التفاهم على مواجهة الإرهاب المتمثل بنظر واشنطن بــ"داعش" وبعض التنظيمات الملحقة بها، فيما تراه موسكو بعيون اوسع لتشمل رؤيتها للإرهاب فيما تصر على تسميته دول الحلف الدولي بالمعارضة المعتدلة.
على هذه الخلفيات فتحت المناقشات حول ما هو منتظر في مقبل الأيام وما يمكن ان تقوم به موسكو في الأيام المقبلة بعدما حشدت من اسطولها البحري والجوي ما يكفي من القوة الضاربة للتدخل في العمليات العسكرية وفق قواعد إشتباك ما زالت غامضة الى اليوم، بعدما ثبت انها لم تقم بإي عمل عسكري الى اليوم فوق الأراضي السورية لا ضد "داعش" ولا غيرها من المجموعات المسلحة.
وفي المقابل انضمت الطائرات الفرنسية والبريطانية والأوسترالية الى الحرب على "داعش" وقامت كل منها منذ ايام قليلة بغارات على مناطق محددة لهذا التظيم في الرقة وادلب بعد طول غياب، تاركة الأجواء السورية لطائرات الحلف الأميركية والسعودية والإماراتية والتركية دون غيرها من اطراف الحلف بعد مرور سنة وعشرين يوما على قيامه في 11 ايلول من العام 2014.
وفي الوقت الذي تنتظر فيه العواصم الكبرى مبادرات الطرف الآخر الجديدة كشفت موسكو عن "مجموعة اتصال" جديدة ستنشأ في الأسابيع الأولى من تشرين الأول المقبل، وتضم "اللاعبين الرئيسيين" في الأزمة السورية، وهي بالإضافة اليها واشنطن وكلا من باريس وانقرة والرياض وطهران والقاهرة. وجاءت هذه الخطوة على وقع اعلان الرئيس "استعداده للعمل مع موسكو وطهران للوصول الى حل"، من دون الإشارة الى أي مدى يمكن أن يمضي في ذلك.
وفي هذه الأجواء تتحدث التقارير القليلة الواردة من سوريا ان القوة الروسية الجديدة التي دخلت الأراضي السورية لم تتحرك الى اليوم ولم تقم باي عمل عسكري في انتظار ساعة الصفر التي تنتظر موسكو لتحديدها ردات الفعل الأميركية والغربية على طرحها الجديد لإشراك الرئيس الأسد في العمليات ضد الإرهاب، قبل ان يفاجأ بالحلف الأميركي - الفرنسي الجديد الذي جدد التأكيد انه ليس للرئيس الأسد اي دور في المرحلة الإنتقالية المقبلة، ولا تلك التي تليها، وهو ما اعتبر تراجعا سريعا عن التطمينات الغربية التي عبرت عنها باريس وواشنطن وانقرة وغيرها من العواصم التي سجلت انفتاحا مفاجئا على النظام السوري وتحدثت قبل ايام عن دور ممكن له في الفترة الانتقالية.
وتعترف المراجع الدبلوماسية التي تراقب الوضع ان الستاتيكو الجديد يوحي بأن روسيا هي الأكثر تحررا من باقي أطراف الحلف، وقد نجحت بمجرد تنفيذ عمليتها العسكرية وتموضع قواتها الجوية والبحرية بالسرعة القصوى التي لم يكن يتوقعها أحد، مستندة الى ما يمكن تسميته تفويضا وطلبا من "الشرعية السورية" للتدخل برا وبحرا وجوا إذا لزم الأمر من ضمن التفاهمات الثنائية بين البلدين، والتي سمحت بالجسر الجوي الذي اقامته لدعم القوات النظامية وتجديد اسلحتها في ضؤ التقارير اللتي تحدثت عن قرب انهيار الجيش السوري النظامي بعد اربعة سنوات ونصف من المعارك القاسية التي ادارها وخسارته لمعظم القواعد الجوية في شمال البلاد وجنوبيها والحصار المضروب من ثلاث زوايا على العاصمة دمشق وعلى الساحل السوري.
وعليه، ترى المراجع الدبلوماسية عينها ان الصمت العربي والحراك الغربي المحدود في مواجهة القوة الروسية الجديدة فسرا على انهما قبولا بالأمر الواقع. وبات على الروس استثمار نتائج "موسكو 1" و" موسكو 2" ونتائج اتصالاتها بطرفي الصراع: النظام من جهة والمعارضة على أشكالها المختلفة من جهة أخرى لتلعب في هامش اوسع من غيرها، وهو ما قد تسارع اليه موسكو بالدعوة الى "موسكو 3" وربما " موسكو 4" متى شاءت، وهو امر ليس متوافرا لدول الحلف بعد سقوط تجربة "جنيف واحد " و "جنيف 2" وعجزها بالتنسيق مع الأمم المتحدة وممثلها في سوريا استيفان دوميستورا من استكمال مسلسل "جنيف 3".
وبناء على ما تقدم، لا تستغرب المراجع الدبلوماسية أن "تطحش" روسيا في المرحلة المقبلة فتسبق دول الحلف في مبادراتها ما لو توافيها واشنطن في منتصف الطريق من أجل تنسيق المواقف وإلا لن يكون صعبا على الروس ان يستثمروا انجازات الحلف الدولي في شمال سوريا فتسبقهم الى ضربات جوية مؤلمة بالتنسيق مع النظام وجيشه وهو امر ليس مستبعدا في انتظار تجربة مطار "كويروس" العسكري الذي تسعى وحدات الجيش النظامي لفك الحصار المضروب عليه من عامين ولعلها ستكون التجربة الأولى لما يمكن أن تفعله روسيا في المدى القريب وما على الجميع سوى الإنتظار.