ذات يوم كتب جبران النبي "أولادكم ليسوا لكم"، هذا صحيح، لكنهم ليسوا حتماً أولاد دور حضانة تستقبلهم أطفالاً يضجون بالحياة لتسلمهم الى ذويهم جثثاً هامدة من براد أحد المستشفيات. أنها حال الإهمال والاستهتار في عدد من "دكاكين الحضانات" في لبنان.
"إيليو سلوم" ابن الأشهر الأربعة لقي حتفه في إحدى دور الحضانة في عجلتون، وبحسب تشخيص الطبيب فإن الوفاة سببها ارتداد بلعومي مما أدى الى امتلاء إحدى الرئتين بالكامل من مادة الحليب وكذلك نصف الرئة الثانية، إذ يبدو أن المسؤولة عن إطعام الطفل لم تعطه الوقت الكافي لهضم المادة الغذائية، فاختنق من جراء الحليب العائد الى المعدة من الرئتين.
قبل إيليو، جنى القدر على جنى ديب في دار حضانة في حي السلم، فأودى بحياة طفلة الأشهر الخمسة من دون أن يعرف السبب الحقيقي مع تضارب التقارير الطبية حول سبب الوفاة، بحيث أشار التقرير الأول الى أن الوفاة نتجت عن نزيف في الرأس، ويؤكد الثاني أن التهاباً حاداً في الرئة أدى الى الوفاة، والثالث تحدث عن غصة أودت بحياة الطفلة، والرابع عن انفجار في الدماغ.
هذا الواقع المزري، دفع بوزير الصحة العامة وائل أبو فاعور، المتابع لملفات الفساد الصحي بكل تفرعاته، الى فتح ملف دور الحضانة على مصراعيه فأصدر قراراً بختم أكثر من حضانة بالشمع الأحمر وأحال الملفات الى النيابة العامة متخذاً صفة الإدعاء الشخصي.
بحسب إحصاءات دقيقة لدى وزارة الصحة، هناك أكثر من 200 حضانة غير مرخصة منتشرة على الأراضي اللبنانية وبالتالي هي غير مطابقة لشروط السلامة العامة.
وزير الصحة كان قد استدرك النقص الكبير في عدد المراقبين في دائرة الأم والطفولة في الوزارة، التي يعمل فيها فقط رئيسة الدائرة وسكرتير وحاجب ومراقب واحد يطلب منه مراقبة حضانات الوطن كله، ويضاف الى الفريق الرسمي مراقبان "استعارة" من مصالح الصحة في محافظتي الشمال والجنوب، إضافة الى الإستعانة بأطباء الأقضية التابعين للوزارة.
"لقد حصلت حوادث عدة لذا قررنا إقفال كل الحضانات غير المرخصة وعددها 120 الى حين استيفاء شروط الصحة اللازمة"، بحسب أبو فاعور الذي شدد على أن القرار غير قابل للنقاش وعلى الحضانات المرخصة أن تعلم بأنها ستكون تحت "عين" وزارة الصحة لضمان الاستمرار في الالتزام بالقوانين المرعية.
الواقع الميداني يشير الى أن الحضانات غير المرخصة تشكل قطاعاً غير شرعي موازياً لقطاع الحضانات المرخصة التي يبلغ عددها 320 في ظل غياب إحصاءات دقيقة، إذ إن هناك سيدات يحولن منازلهن لدور حضانة غير رسمية تفتقر لأدنى المعايير العلمية التي يستوجبها الترخيص، يضاف اليها بعض الحضانات التي تستحدثها المؤسسات والمدارس الدينية وغير الدينية داخل حرمها من دون التبليغ عنها، علماً أن قطاع الحضانات يضم على الأقل 25 ألف طفل.
يعود قانون تنظيم دور الحضانة في لبنان الى ستة وثلاثين عاماً، وقد خضع لتعديلات عدة الى أن صدر مرسوم حمل الرقم 12286 في نيسان 2004 ألغى المرسوم السابق ونص على الأحكام القانونية والتنظيمية والإدارية التي تحكم شروط الترخيص بفتح دور حضانة واستثمارها، وقد عرفت المادة الأولى من هذا المرسوم دار الحضانة بأنها مؤسسة للرعاية المتكاملة تستقبل الأطفال من عمر أربعين يوماً لغاية ثلاث سنوات وتعمل على تلبية حاجاتهم ومطالبهم من خلال رعايتهم والاهتمام بهم وتنمية شخصيتهم جسدياً ونفسياً واجتماعياً، على أن توفر لهم البيئة الصحية السليمة والتنشئة التربوية اللازمة ضمن ساعات النهار التي تحدد بقرار إنشاء الدار.
("لبنان 24")