أخيراً وبعد طول إنتظار، عاد النجم اللبناني الأكثر شعبية، والمعروف بنقل الواقع الحزين بفكاهة وسخرية تختزن فلسفة شديدة الخصوصية، زياد الرحباني ليتصدر الشاشة من جديد، بعد أن أُعيد إحياء مسرحيته الشهيرة "بالنسبة لبكرا شو" لكن بنسخة سينمائية. استرجع المشاهدون أمس في "سينما سيتي"- أسواق بيروت مرحلة تعود إلى أواخر السبعينات (1978) تحديداً، بتحفة فنية تروي الكثير عن واقع مرير لم يتبدل حتى بعد مرور 38 عاماً.
الفقر، التفاوت الإجتماعي، قلة فرص العمل، الرأسمالية، المجتمع الاستهلاكي، استغلال اليد العاملة، والغلاء المعيشي أبرز ما تناقشه المسرحية بصدق وعفوية ورسائل تتجاوز الإطار الاجتماعي لتلامس القضايا السياسية الكبرى، ومفهوم العدالة الاجتماعية ودولة القانون. يكرر زياد: "لا زراعةً في ولا صناعة ولا مواد أولية.. يا ثريا بس عالخليج ما بدي روح". هي معركة البقاء والصمود وسط الأزمات التي عانى منها الشعب، وما يزال، حتى لو على حساب "الشرف والكرامة والمبادئ".. المهم "المدخول يزيد".
لكن بالرغم من "سوداوية" القضايا والمعاناة، إلا أن العمل، ككل أعمال زياد، ملئ بالشغف، الفكاهة، خفة الظل، وفيه أيضاً استعادة ساحرة لمرحلة جميلة من تاريخ بيروت، سبكتها عبقرية زياد في إطار مسرحي عاشه الجمهور أمس بكل حذافيره، باستثناء شيء واحد كان ناقصاً بقوة.. حضور زياد الرحباني.
"الهدف من إعادة إحياء المسرحية هو إعادة إحياء هذا التراث والثقافة اللبنانية عبر تجميع الأعمال الثقافية المتعلّقة بلبنان، بما فيها المسرحيات القديمة، ونعمل حالياً على إعادة مسرحيات أخرى كـ" "فيلم أميركي طويل"، يؤكد المسؤول عن إدارة البرامج في شركة "M Media" المسؤولة عن فكرة الفيلم لـ"لبنان 24". ويضيف: "واجهنا صعوبة في ترميم الأشرطة وتحسينها لأنها لم تصوّر للعرض بل للاستخدام الخاص فقط، لكننا قمنا بتنظيف الصورة في لوس أنجلوس (6 أشهر) والصوت في همبورغ (سنتين)، والمشاهد سوف يتابع نتيجة جيدة لكن هناك هفوات في الصورة وعوائق تقنية نتمنى من الجمهور أن يغض النظر عنها لاننا عملنا بجهد لمعالجة كل تفصيل والهدف في النهاية هو الإستمتاع بقيمة فنية وثرة انتظرها الجمهور طويلاً".
ويشدد مدير البرامج على أننا "إنتظرنا طويلاً لإقناع زياد بالأمر، ثم اقتنع بالفكرة وتابعنا هو خطوة بخطوة حتى انتهائها بعد جهد كبير استمر لمدة 3 سنوات". وعن صاحب الفكرة، يقول إيلي خوري رئيس شركة "M Media": "المصيبة أنا من فعلتها".
وفي أحاديث خاصة مع "لبنان 24"، تقول الإعلامية مي شدياق "من خلال المسرحية، نحن ننفض الغبار عن المسرح وأعتقد اننا جميعاً سوف نسابق المشاهد والكلمات خلال مشاهدة الفيلم لاننا نحفظ نص المسرحية عن ظهر قلب بعد سماعه لأكثر من 30 عاماً"، بدوره، يعتبر الإعلامي زافين قيومجيان أن "الفيلم تجرية فريدة سنعيشها اليوم مع زياد الرحباني".
من جهته، يشير الممثل والكوميديان ميشال أبو سليمان إلى أنه "كان يجب أن تحصل هذه التجربة الفريدة منذ سنين، الكل استمع إلى أشرطة المسرحية وهم متشوقون لرؤية من هم أبطال هذا العمل الذين حفظوا كلماتهم على مر كل هذه الاعوام".
هكذا استرجع المشاهد مسرحية سمعها جيل الشباب عبر الإذاعة فرسخت مصطلحات النص في أذهانهم وتخيلوا مشاهدها مرات عديدة، كما استرجع المشاهد أغاني الممثل والمغني اللبناني الراحل جوزيف صقر كـ"عهدير البوسطة" و"عايشة وحدا بلاك". المفارقة الوحيدة بين الأمس واليوم أن الهجرة أصبحت ملاذاً للبنانيين، حتى لو أن الوظيفة المعروضة "بمطعم بيبرم". فلعل دواليب الحياة تبرم هي أيضاً ونشهد يوماً ما إنتهاء عصر الفقر والغلاء والتهميش، فيصبح الغني والفقير متساويان أمام القانون، ومتوازيان في "المدخول والمصروف" ويستقيم ميزان العدالة الإجتماعية والإنمائية. "الفقر بيخوف يا نجيب.. لما تطلع منو وتشوفو من بعيد بيصر يخوف أكثر.. بيصير يفزع"، يصرخ زياد الرحباني في تحفته الفنية والثقافية..
مبارح (1978) طلع مثل بكرا (2016).. وهلأ "بالنسبة لبكرا شو"؟