ليس الانتقال من مسرح العنف الى خشبة المسرح الا انتصاراً يضاف الى رصيد الفن. من يختبره ويتذوّقه يرفض الرجوع الى المرارة، بل يتعلم، أن قطعة سكر التي تذوب في فنجان قهوة، قادرة على تغيير طبيعة البُنّ الحاد. لا احد يحن الى ظلام حين تقوده شفافية الانوار الى الحقيقة، أو الى ستارة يسدلها على خاتمة مفرحة يُصفق لها الجمهور.
هذه الثوابت ترفعها جمعية "مارش" منذ نشأتها، وتؤمن بها وتعمل على تجسيدها. البداية كانت مع انجاز مسرحية "حب وحرب عَ السطح" (كتابة واخراج لوسيان بو رجيلي)حيث اجتمع شبان وشابات جبل محسن وباب التبانة والقبة، فحطموا كل القيود والتعاسة والحقد، "وفجروا" طاقاتهم الايجابية والسلمية بلغة الفن والمسرح. هل تنتهي الحكاية هنا؟ طبعاً لا، لأن الحياة، على عكس الموت، لا تعرف الجمود والبعد. وعليه، اختارت "مارش" استكمال ما انجزته وتتويجه بمشروع يضمن استمرارية رحيق الانتصار. الاحد في 28 شباط، يوم الافتتاح. أهلا وسهلاً في "قهوتنا"!
تتحدث رئيسة جمعية "مارش March" ليا بارودي عن هذه "القهوة" التي ستُفتتح غداً، مشيرة في حديث لـ "
لبنان24" ان "الهدف الاساس من انشائها هو خلق مساحة للتلاقي والتقارب يقودها الفن والثقافة وتبادل الافكار السلمية، ولا سيّما أن تلك المنطقة بالذات، اي جبل محسن وباب التبانة، تفتقد الى مثل هذه الاماكن الجامعة". هذا الملتقى الثقافي هو طبعاً استكمال لرحلة انهاء الحرب التي بدأت مع المسرحية التي جمعت 16 شاباً وشابة تحوّلوا من اعداء الى اصدقاء وفنانين، وارادت الجمعية ان يكونوا بمثابة سفراء يتوّلون نشر رسالة السلام والمحبة في المدينة.
منذ اللحظة الاولى، ادركت "مارش" أن العنف الذي مارسه الطرفان لم يسببه الاختلاف الايديولوجي او الطائفي، انما ولدّه الفقر والحرمان والتهميش والظلم. تشرح بارودي:"من شأن هذه "القهوة" الثقافية ان توّفر ايضاً فرص عمل لابناء هذه المنطقة، والمساهمة في اكسابهم مهنا مختلفة، بالاضافة الى تنمية مواهبهم وقدراتهم الفنية والابداعية كونهم سيواظبون على انتاج اعمال فنية مختلفة". وعليه، سوف تكون "قهوتنا" مساحة يجتمع فيها ابناء المنطقة، يؤدون المسرحيات، يعزفون، يشاهدون الافلام، يتبادلون الاحاديث، او يرتشفون فنجان قهوة على مائدة فرح وتعايش.
مركز هذه القهوة الثقافية التي تتخذ شعار "حطّ كفّك بـ Café" قائم على الخط الفاصل بين جبل محسن وباب التبانة، اي في شارع سوريا او ما كان يعرف بـ "خطّ التماس". حفل الافتتاح الذي يستمرّ من الساعة الحادية عشرة الى الثانية ظهراً يتخلله تقديم اسكتشات كوميدية وعروض غنائية وموسيقية بمشاركة الفنانة جوي فياض. "الدعوة مفتوحة"، تقول بارودي آملة في تحقيق مشاركة لافتة من قبل اهل طرابلس، معوّلة عليهم تقديم الدعم والتشجيع. "التغيير الايجابي الذي لمسناه منذ بداية المشروع مع المسرحية لم يستهدف الشبان والصبايا المشاركين وحسب، انما انسحب ايضاً على عائلاتهم وتوّسع ليشمل المجتمع كلّه". تستذكر بارودي لحظة التقى "اعداء الامس" ببعضهم :"كانوا خائفين، حاقدين، حذرين، متشنجين...فاصبحوا بعد هذه التجربة المميزة مسؤولين، واعين ومدركين أن في الحياة، هدفاً مختلفاً لا يحققه الرصاص والموت، وانهم متشابهون في الفرح والحزن والمأساة، وانهم جميعا ضحايا"!
الاعمال المسرحية والتمثيلية التي ستعرض في الافتتاح، أشرف عليها وساهم بانجازها الممثل ميشال بو سليمان منذ البداية. يقول في حديث لـ "
لبنان24": "آمنت بمشروع "مارش" منذ اللحظة الاولى، وقررت خوض هذه التجربة المميزة او بالاحرى هذا العمل الانساني الذي انقذ اشخاصا من الموت".
برأي بو سليمان، فإن ما تحقق يتعدى اسكات الرصاص واستبداله بصوت الفن: انه انقاذ حيوات مواطنين ابرياء، وانتشالهم من دوامات العنف وجولاته. "نحن من جيل الحرب الذي "تلوّع" منها، واسعى الى نقل المعاناة التي عشناها الى شابات وشبان اليوم كي لا يقعوا في الخطأ نفسه". يقرّ بو سليمان الذي ساعد المشاركين في كتابة النصوص المسرحية وتدريبهم على التمثيل، بأن شهرته ساهمت في كسر الجليد وتقريب المسافات. يختم:" مدّتني هذه التجربة بفرح داخلي وسلام".
فرحٌ وسلام سوف تستمرّ "مارش" في تأمينهما، علماً أن "كل الجمعيات لا يمكن أن تحلّ مكان الدولة الواجب عليها تتمية المناطق والاهتمام بأبنائها"، كما تقول بارودي. المحطة المقبلة سوف تكون في منطقة "بائسة" اخرى، تكرر فيها الجمعية تجربة طرابلس، متوّسلة الفنّ كلغة جامعة يسهل اكتسابها من دون اللجوء الى معاجم وتعقيدات. "فعلى هذه الارض ما يستحق الحياة"!